«صوت الشعب البريطاني لأجل التغيير، صوّت لأجل الخروج من الاتحاد الأوروبي.. وفعل ذلك بعيون مفتوحة وهو يعلم أن الطريق الذي أمامه سيكون غير واضح في بعض الأحيان. صوّت لأنه يعلم أن صوته سيؤدي إلى مستقبل أكثر إشراقاً للمملكة المتحدة».
هكذا وصفت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي الشعب البريطاني، في حديثها مع «البيان» بشأن عملية بريكست التي مازلت تهب عواصف على الساحة البريطانية.
وقالت ماي «أؤكد ما تحدثت عنه سابقاً، لسنا ذاهبين للتفاوض من أجل التفاوض بشأن علاقاتنا الجديدة مع الاتحاد الأوروبي فقط، بل نحن نتفاوض كي تخرج المملكة المتحدة من هذه المرحلة وهي أكثر قوة وإنصافاً ووحدة وأن نكون أفضل صديق وجار لشركائنا الأوروبيين.
لكن في نفس الوقت أن نكون بلداً يتجاوز حدود أوروبا، بلد يخرج إلى العالم لبناء علاقات مع أصدقاء قدامى وتحالفات جديدة على حد سواء، وعلى أوروبا ألا تعرقل طموحنا، فقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي درس ليس فقط لبريطانيا، بل كذلك للاتحاد الأوروبي نفسه إن أراد أن ينجح».
البرلمان لن يعرقل
ورداً على سؤال «البيان» عن ماذا سيحدث بعد قرار المحكمة العليا البريطانية بضرورة حصول رئيسة الوزراء البريطانية على موافقة البرلمان قبل بدء بريطانيا الانسحاب رسمياً من الاتحاد الأوروبي، أوضحت ماي «نحترم قرار المحكمة العليا والحكومة ستحقق حلم البريطانيين بالخروج من الاتحاد الأوروبي وذلك من خلال تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة قبل نهاية مارس 2017، وهنا يتضح للجميع أن خلافاً لما هي الحال في دول أوروبية أخرى، ليس لدينا دستور مكتوب.
بل إن مبدأ السيادة البرلمانية لدينا يقوم على أساس تسوية دستورية غير مكتوبة، وهذا يعني أن القرار الأخير سيكون للبرلمان البريطاني الذي لا اعتقد أنه سيعرقل جهود الحكومة في تحقيق حلم الشعب البريطاني الذي صوت بالخروج من الاتحاد الأوروبي لاستعادة ديمقراطيتنا البرلمانية».
تطبيق تدريجي
وأشارت ماي «سبق وأن أوضحت أننا نريد أن نتوصل لاتفاق بشأن شراكتنا مستقبلاً بحلول انتهاء فترة العامين التي هي فترة العملية اللازمة منذ إطلاق المادة 50. ومن تلك اللحظة فما بعد، نعتقد بأن من مصلحتنا المشتركة أن نتبنى عملية تطبيق تدريجية يمكن خلالها لكل من بريطانيا ومؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء الإعداد للترتيبات الجديدة التي ستنشأ بيننا.
فذلك يمنح الشركات الوقت الكافي للتخطيط والإعداد لتلك الترتيبات».
ورفضت المحكمة التي قرر ثمانية من أصل 11 من قضاتها أن «تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة يتطلب مصادقة نواب مجلس العموم البريطاني»، وقالت إن «حجة الحكومة بأنه يمكن لرئيسة الوزراء تفادي قرار البرلمان عبر استخدام سلطات تنفيذية تعرف باسم «الامتياز الملكي» لاستخدام المادة 50 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي وبدء محادثات للانسحاب من الاتحاد تستمر عامين».
أغلبية بسيطة.. وقد يصوت عدد من العماليين ضد بدء المفاوضات
تصويت صعب
التصويت في البرلمان قد يكون صعباً وذلك لأن تريزا ماي رئيسة الحكومة تتمتع بأغلبية بسيطة في مجلس العموم، وقد تواجه صعوبة في دفع البرلمان إلى التصويت على بدء المفاوضات، وقد يصوت عدد من العماليين ضد بدء المفاوضات للاعتراض على الخروج من السوق الأوروبية.
ووعد حزب العمال، أكبر أحزاب المعارضة بألا يعرقل تفعيل المادة 50 ولكنه سيقدم تعديلات على إمكانية تحويل المملكة المتحدة إلى ملاذ ضريبى.
اسكتلندا ستعرقل
وفي حديث لـ«البيان» قالت رئيسة حكومة اسكتلندا نيكولا ستورغون «أصبحت الأمور واضحة جداً، فصوت اسكتلندا غير مسموع ويتم تجاهل شعب اسكتلندا في داخل المملكة المتحدة، لما الاستفتاء إذاً، إذ لم يؤخذ بأصواتنا ويقرر برلمان لندن بنيابة عن إدنبرة».
وأشارت ستورغون «على البرلمان البريطاني والسلطات القضائية في لندن أن يعلموا أن الحزب القومي الاسكتلندي الذي يمثله 54 نائباً في مجلس العموم يعارض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسيصوت ضد تفعيل المادة 50، كما أن هناك أحزاباً أخرى تنوي أيضاً تقديم 50 تعديلاً لمشروع قانون الحكومة».
أدنى مستوى
وتخيم المخاوف الاقتصادية على البرلمان البريطاني قبل التصويت على تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، فلندن لا تريد اتخاذ قرار قد يؤدي لانزلاق نظامها السياسي في الفوضى والتخبط، وهبوط أسعار الأسهم في الأسواق المالية، وفقدان الجنيه الاسترليني نسبة كبيرة من قيمته، وخفض تصنيف المملكة المتحدة الائتماني من قبل مؤسسات التصنيف العالمية.
وهو ما حصل لحظة الإعلان عن نتائج استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، فتهاوى الإسترليني وخسر حوالي 10 بالمئة من قيمته، وسجل سعر الجنيه الاسترليني تراجعاً إلى 1,3229 للدولار الواحد - حوالي 12 بالمئة مقابل الدولار و8 بالمئة مقابل اليورو - وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
قطاع البناء والإنتاج الصناعي.. ظلا دون تغيير
وتشير التقديرات الأخيرة لمكتب الإحصاءات الوطنية في المملكة المتحدة أن المخاوف من تباطؤ النمو الاقتصادي عقب تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) لم تتحقق على أرض الواقع.
وسجل الاقتصاد نمواً 0.6 في المئة في الفترة من أكتوبر وحتى ديسمبر، وهو نفس المعدل خلال الربعين السابقين.
وحقق الاقتصاد نمواً إجمالياً في العام الماضي بنسبة 2 في المئة، متراجعاً عن العام السابق 2015 والذي سجل 2.2 في المئة.
وأظهرت الأرقام أيضاً نمو صناعة البناء والتشييد 0.1 في المئة والزراعة بحوالي 0.4 في المئة، في حين لم تتغير معدلات نمو الإنتاج الصناعي.
تكثيف الإنفاق
وقالت لي هوبلي، خبيرة اقتصادية بريطانية إن «المستهلكين لن يكثفوا الإنفاق بسبب ارتفاع التضخم وتباطؤ زيادة الأجور، وستتوقف رغبة الشركات في ضخ المزيد من الاستثمارات على مدى تقدم مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». سيلحق الضرر بالصادرات من الاتحاد الأوروبي لبريطانيا البالغة 290 مليار جنيه.
وفي حال حرم الاتحاد الأوروبي بريطانيا الاستفادة من السوق الأوروبية الموحدة، ستكون لحكومة ماي حرية تغيير أساس النموذج الاقتصادي لبريطانيا.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، ذلك يعني وضع عقبات جديدة أمام التجارة مع واحدة من أكبر اقتصادات العالم. وسوف يضر باستثمارات الشركات الأوروبية في بريطانيا التي تفوق الترليون جنيه استرليني. ويعني كذلك عدم استطاعة الشركات الأوروبية من الاستفادة من الخدمات المالية في حي المال في لندن.
كما سيلحق الضرر بالصادرات من الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا البالغة 290 مليار جنيه استرليني سنوياً.
ما بعد تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة؟
في حال نجت رئيسة وزراء بريطانيا في معركة تصويت البرلمان وتفعيل العمل بالمادة 50 من معاهدة لشبونة، لدى بريطانيا اثنا عشر غاية تشكل أساساً للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وهي العقبات التي قد تعرقل بريكست.
وتقول رئيسة الوزراء تيريزا ماي: «في تفاوضنا على تلك الشراكة، سيكون دافعنا بعض المبادئ البسيطة، سوف نوفر أكبر قدر ممكن من اليقين والوضوح في كل مرحلة من المراحل. وسوف ننتهز هذه الفرصة لجعل بريطانيا أكثر قوة، وأكثر إنصافاً، وكذلك لبناء بريطانيا أكثر عالمية». ومن أبرز هذه الغايات:
ضبط القوانين البريطانية
ذلك يعني أن تكون بريطانيا مسؤولة عن شؤونها الخاصة بها، وبالتالي وضع نهاية لولاية محكمة العدل الأوروبية على بريطانيا. الخروج من الاتحاد الأوروبي يعني سن قوانيننا في ويسمنستر وإدنبرة وكارديف وبلفاست. وسوف يفسر تلك القوانين قضاة في محاكم بريطانية، وليس قضاة في لوكسمبورغ.
الإبقاء على منطقة حرية السفر
وفي حال خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، سوف يستمر وجود حدود برية مشتركة مع الاتحاد وذلك عبر أيرلندا.
ويعتبر الإبقاء على منطقة حرية السفر المشتركة مع جمهورية أيرلندا أولوية بالنسبة للمملكة المتحدة في المفاوضات. وقد تأسست هذه المنطقة قبل أن يصبح أي من البلدين عضواً في الاتحاد الأوروبي. وتعمل بريطانيا للتوصل إلى حل عملي يتيح حماية منطقة حرية السفر المشتركة مع جمهورية أيرلندا، وفي نفس الوقت حماية نظام الهجرة البريطاني.
ضبط الهجرة
تحاول بريطانيا ضبط هجرة القادمين إلى بريطانيا من أوروبا. وبعد الاتفاق سوف تتحكم بريطانيا بعدد القادمين إلى بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي قد يشكل عقبات في طريق الوصول للخروج من الاتحاد الأوروبي. لذلك تقول ماي: «سوف نتحكم بعدد القادمين إلى بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ذلك أن ضبط الهجرة يمكن أن يحقق منافع هائلة، من قبيل سد النقص في المهارات، وتقديم الخدمات العامة، وجعل الشركات البريطانية متفوقة عالمياً كما هي عادة – حين ترتفع أعداد المهاجرين أكثر من اللازم، يتراجع التأييد الشعبي لنظام الهجرة».
وتضيف: «لقد شهدنا في العقد الماضي أو ما نحوه مستويات قياسية من الهجرة الصافية إلى بريطانيا، وذلك الكم الهائل من المهاجرين تسبب بضغوط كبيرة على الخدمات العامة المقدمة». وتؤكد ماي أن «بريطانيا بلد منفتح ومتسامح. وسوف نرغب دائماً بقدوم مهاجرين إليها، وخصوصاً ذوي المهارات العالية، كما سوف نرغب دائماً بقدوم مهاجرين من أوروبا، وسنرحب دائماً بالمهاجرين الأفراد كأصدقاء.
إلا أن رسالة الشعب البريطاني قبل وخلال حملة الاستفتاء كانت واضحة: الخروج من الاتحاد الأوروبي يعني ضبط عدد القادمين إلى بريطانيا من أوروبا. وهذا ما سنحققه».
حقوق متبادلة
الإنصاف يتطلب منا التعامل مع مسألة أخرى كذلك بأسرع وقت ممكن. نريد أن نضمن، في أقرب فرصة ممكنة، حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون حالياً في بريطانيا، وحقوق البريطانيين الذين يعيشون في دول الاتحاد. وقد قلت لقادة دول الاتحاد الأوروبي الآخرين، إننا يمكن أن نوفر فوراً الضمان الذي يريده المواطنون، وأن نتوصل الآن لاتفاق بهذا الشأن.
الكثير من قادة أوروبا يفضلون التوصل لاتفاق كهذا – بينما هناك واحد أو اثنان من قادة أوروبا ممن لا يفضلونه – لكنني أريد أن يعلم الجميع أن تسوية هذا التحدي في أسرع وقت ممكن تشكل أهمية بالنسبة لبريطانيا، وبالنسبة للعديد من الدول الأعضاء الأخرى. ذلك أن فعله صواب وإنصاف.
نقاش
بدأ النواب البريطانيون أمس مداولات تستمر ثلاثة أيام بشأن مشروع قانون تقدمت به رئيسة الوزراء تيريزا ماي لإطلاق مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وكان البرلمان أزال أول عقبة الأسبوع الماضي، ولكن المتوقع أن تصبح المناقشات أكثر سخونة، حيث سوف يصوت النواب على العشرات من التعديلات المقترحة على المسودة المؤلفة من فقرتين، قبل أن يتخذ مجلس العموم البريطاني القرار النهائي غداً الأربعاء.

