«أسود وثعالب باريتو نوعان مختلفان من الحكم، لكل منهما له نقاط قوة وضعف. لكن النخبة تضم كلا العنصرين، حيث السؤال يتمحور حول سيطرة أي عنصر منهما ضمن فترة معينة».

بنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته الرئاسية على أساس رفض مفهوم «المؤسسة»، وأدانت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي «النخب العالمية» عديمة الجذور في خطابها القيادي أمام مؤتمر المحافظين في أكتوبر الماضي.

أما في القارة الأوروبية، فيسرّ الأحزاب اليمينية الشهيرة كالجبهة الوطنية بزعامة مارين لو بين وحزب البديل من أجل ألمانيا وحزب القانون والعدالة البولندي الحاكم إدانة النخب «الأوروقراطية»، لكن من أي جاء تعبير «النخبة» وما الذي يعنيه؟

قدم عالم الاجتماع والاقتصاد والسياسة فيلفريدو باريتو التعبير بمعناه الحالي، عام 1902، وطوّر نظرية «تداول النخب». وكان تعبير «النخبة» بمعناه الاجتماعي الحالي، قد ظهر للمرة الأولى في كتاب «الأنظمة الاجتماعية»، وهدف لتحليل الماركسية على أنها الشكل الحديث «للعلمانية».

وأشارت نظرية باريتو إلى وجود النخبة الدائم في موقع الحكم، حيث السيطرة الدائمة للأقلية على الأكثرية، وليس التاريخ إلا رواية نخبة تحل مكان أخرى. وهو ما أسماه باريتو «تداول النخب»، واعتقد أنه يتجلّى بطريقتين، الأولى تتمثل بالاستيعاب، أي بتدامج النخبة الجديدة مع عناصر تلك القديمة، أو من خلال الثورة.

وحدد باريتو، مستلهماً من سلفه الإيطالي ميكافيللي نوعين من الحكام النخبة، فوصف النوع الأول ب«الثعالب» الذين يفرضون سيطرتهم عبر مفهوم التوفيق بما ينطوي عليه من خداع ومكر وتلاعب واستقطاب. ويتسم حكم هؤلاء باللامركزية والتعددية والشك، ولا يحبذون استخدام القوة.

أما «الأسود» فيتسمون بقدر أكبر من التحفظ، ويشددون على الوحدة والانسجام ويتبعون الأساليب المعتادة والعقائد المرعية ويبسطون سلطتهم من خلال حفنة من البيروقراطيات التدرجية المركزية الضيقة، وتستهويهم القوة بالمقارنة مع الثعالب الماكرين. أما التاريخ فيتأرجح ببطء بين نخبة وأخرى متنقلاً بين الثعالب والأسود.

وتتبدى صلات نظريات باريتو بعالم اليوم واضحة، فبعد مرحلة احتلال الثعالب للسلطة، تعود الأسود بحماسة متقدة. ويبدو ترامب، كما أكّد سلوكه خلال الحملة الرئاسية مرتاحاً جداً للجوء إلى الترهيب والعنف. ويتناقض المشهد اليوم بشدة مع سياسة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وحكومة رئيس وزراء بريطانيا السابق أيضاً ديفيد كاميرون، اللذين بالمقارنة بما حصل منذ التصويت لترامب والبريكسيت اتسما بالانفتاح والليبرالية النسبيين.

ويمثل الثعالب في عالم اليوم قوى العولمة والليبرالية، بالمعنى الإيجابي للكلمة من حيث تطوير عالم منفتح متصل ومتسامح، وبالمعنى السلبي لناحية الليبرالية الجديدة والتمدد اللاإنساني للحسابات الاقتصادية وبسطها على كافة جوانب الحياة البشرية. ويمثل الأسود ردّ الفعل والتمحور حول المجتمع الذي يعرضونه لويلات كراهية الأجانب وعدم التسامح.

تدلّ مؤشرات حكومة ماي عن إدارتها الحاسمة للأمور، حيث استعدادها للتخلي عن البرلمان في خضم مفاوضات البريكست. تميل الكفة اليوم لصالح الأسود، التي تعادل فعالية إعادتها المسار التصحيحي لفيض العولمة، حيث التحدي السياسي اليوم يكمن في إيجاد التوازن بين الانفتاح والرجعية، وبين الثعالب والأسود.

فيلفريدو باريتو - فيلسوف وعالم اقتصادي اجتماعي وسياسي

»إن طبيعة الأشخاص المتنوعة، المرافقة لحاجة اشباع مشاعر ورغبات التساوي، أسفرت عن مساع في الديمقراطيات لتأمين مظاهر السلطة في الشعب، وحقيقة السلطة في صفوف النخبة«.

3000

استخدم باريتو الكلمة الفرنسية «إليت» أو النخبة في أطروحة من 3000 كلمة بعنوان «المطول في علم الاجتماع العام» صدرت عام 1916. وحاول الإحاطة بفكرة مفادها أن الأقلية ستمارس الحكم دوماً، دون الرجوع إلى المفاهيم البالية لعلم الوراثة أو للمفاهيم الماركسية حول الطبقية.

وقدم باريتو تعريفاً للنخبة مبنياً على فكرة تصنيف الأشخاص وفق معيار من واحد إلى عشرة، بحيث اعتبر الحائزين على المعدلات الأعلى ضمن مجالهم من النخبة.

وبدا باريتو مستعداً للحكم على المحامين والسياسيين والمشعوذين ولاعبي الشطرنج. وكان يفترض بالتصنيف أن يكون محايداً أخلاقياً، بمعنى أن يتجاوز مفهوم «الخير والشر». واتخذ من نابليون بونابرت مثالاً أولياً، فاعتبره صاحب صفات سياسية قيادية أكيدة تجعله في مصاف النخبة، وذلك بمعزل عما إذا كان شخصاً جيداً أو سيئاً، وكذلك عن نوع السياسات التي اعتمدها.

وعلا الضجيج حول «شعبوية» ترامب«، علماً أن تعبير»البلوتوقراطي الديماغوجي«ينطبق عليه تماماً، أيضاً: وهو الثري الذي يقدم مصالح ثلته على حساب دمار أمة برمتها، كل ذلك خلف قناع السياسة الديمقراطية.

التاريخ مقبرة الأرستقراطيات

اعتبر باريتو بونابرت مهماً من منظور التمييز في أوساط النخبة، بمعنى أن كل من يتمتع بالمؤشرات الأعلى في إطار عمله هو أحد أعضاء النخبة. وذلك في ظل الفصل بين النخب الحاكمة وغير الحاكمة، حيث شكلت الأولى محور الاهتمام.

لا يعني ذلك أن النخب غير الحاكمة أو»اللانخب«، لم تكن تعنيه، بل إن كان لديها دور محدود تؤديه يقتصر على تجديد النخبة الحاكمة. واعتبرت هذه المجموعة محورية بالنسبة لباريتو في فهم المجتمع ككل، حيث إنها تعكس قيم النخبة. لكن باريتو كان مؤمناً بوجود قانون»فيزيولوجي«حتمي يشترط التداعي المستمر للنخبة.

فلاديمير بوتين - الرئيس الروسي الحالي

«ترامب» يمثل آراء الأميركيين الذين تعبوا من النخبة التي استأثرت بالسلطة طويلا.

هوغو دروشون - مؤرخ بريطاني

منذ ابتدع الاجتماعي الإيطالي باريتو كلمة«نخبة»، غدت تعبيراً يساء استخدامه. لكن التاريخ قصة نخبة، كما أظهر التصويت لترامب والبريكسيت.

مارين لو بين - زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي

أعتقد أن النخبة قد تقوقعت وأصبحنا نعيش بعالم أغفلت العولمة الناس وتطلعاتهم».