لا تقل حالة القلق داخل أميركا عن خارجها بعد تنصيب الرئيس دونالد ترامب وبدء مرحلة تنفيذ الأجندة. ولا تكشف المظاهر الاحتجاجية المنظّمة التي واكبت تنصيب ترامب سوى الجزء الظاهري من الهلع تجاه «أميركا الجديدة».
وتساءل الكاتب الأميركي ديفيد إغناتيوس في «واشنطن بوست» قبل التنصيب بيوم: يمكن لترامب أن يحطم النظام العالمي القديم، لكن سيستبدله بماذا؟ وشكك في توجه ترامب بإنماء قطاع التصنيع بالقول إن العديد من الخبراء الاقتصاديين أكدوا أن إنعاش الوظائف في هذا القطاع غير ممكن من دون إلحـاق الأذى بالقطاعــات الأخـرى.
وتخشى الطبقات الأميركية التي استفادت من برامج إدارة أوباما أن تفقد المكاسب التي حققتها مقابل صعود الشريحة الكبرى من عمال المصانع الذين صوتوا بقوة لترامب بسبب ضعف الحمائية نتيجة هجرة الشركات إلى دول مثل المكسيك أو في آسيا، في تحايل وفرته العولمة الاقتصادية على تكاليف الإنتاج وكسب فائض جديد للقيمة ليس ناتجاً من العمل.
بل «فائض قيمة المكان» الذي يحدده التفاوت في تكاليف الإنتاج بين مكان وآخر مقابل سعر واحد للسلعة، وبالتالي تمثيل ترامب لمصالح الطبقة العالمية ليس من باب اشتراكي، بل إعادة الاقتصاد إلى الإنتاج الرأسمالي الكلاسيكي الذي يجني من فائض قيمة العمل.
صدمة كهربائية
وتقول كبير مستشاري ترامب، كيليان كونواي، لشبكة «فوكس نيوز»: «سوف يجري صدمة كهربائية للنظام هنا على الفور تقريباً».
ولا يشير خطاب التنصيب إلى أن ترامب سيتراجع عن أي من الوعود التي قطعها، وندد مجدداً بـ«نخبة واشنطن»، معلناً نهاية عهد «الكلام الفارغ».
وأحد قطاعات النخبة المتضررة مراكز الفكر والرأي العريقة التي تواجه الموت، حيث تناول الكاتب جوش روجن في مقالة بـ«واشنطن بوست» قلق صناع السياسة الذين اعتادوا أن تكون مؤسسات الإدارة الأميركية سوق تصريف، بينما أبدت مصادر من فريق ترامب نية الإدارة بإنهاء التعامل مع هذه المراكز التي تعد جزءاً من تقاليد «ثقافة واشنطن».
وتيرة التقنية وتوضح بعض تعليقات مدير مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، ريتشار هاس، على سياسة الرئيس الجديد مدى صعوبة وجود مساحة مشتركة للعمل خلال السنوات الأربع المقبلة. وينوه هاس في تغريدات على «تويتر» أن شعار «أميركا أولاً» يفتقد إلى الفكرة الأساسية بأن هذه البلاد تستفيد من الاستقرار والازدهار في العالم.
ويدافع هاس، وهو أبرز مركز لصناعة السياسات في أميركا، عن السياسات السائدة بخصوص العولمة في الجانب الاقتصادي بالقول إن اختفاء الوظائف ليس ناجماً عن التجارة أو تكاليف السياسة الخارجية، إنما الابتكار التكنولوجي وارتفاع الإنتاجية.
وتأتي مخاوف النخبة الأميركية المؤيدة لسياسات السوق الحرة إلى أن تنفيذ ترامب لبرنامجه الاقتصادي يحمل نوعاً من إبطاء وتيرة التكنولوجيا في الصناعة.
مسار العولمةلقد كشفت ردود الفعل الهلعة على فوز ترامب حتى لحظة تنصيبه، وكذلك برنامج هذه الإدارة داخلياً وخارجياً عن رؤية جديدة في صلب النقاشات الفكرية التي سادت طيلة سنوات: العولمة نظام يخضع للبرمجة والتسيير، وليس مساراً تلقائياً - قدرياً للتطور لا تجوز مساءلته كما كانت تروج «النخب الفكرية» المتحالفة مع النخب الاقتصادية.
