طوى التاريخ صفحة أوباما.. وطلّق الأميركيون عهد الديمقراطيين أربع سنوات على الأقل، بعد ثمانٍ، ساستهم خلالها رؤية لم تحمل من وعود التغيير وشعاراته البرّاقة الكثير.. لم يجنِ الشعب بعد دورتين رئاسيتين كاملتين ما أراد، فعاقب أوباما وحطّم حلم هيلاري كلينتون في أن تصبح أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة. لم ينقسم المجتمع الأميركي حول أي من الرؤساء الأربعة والأربعين الذين تناوبوا على حكمه على مدى قرابة قرنين.

كما فعل مع الثري المشاكس حيناً، والمتهوّر حيناً آخر، دونالد ترامب، هو «ظاهرة» دخلت دهاليز السياسة ومطبخ صناعة القرار العالمي، استقطبت قطاعات واسعة من الجماهير اليائسة من الطبقة الحاكمة بطرفيها، ديمقراطيين وجمهوريين. نُصّب ترامب رغم تظاهرات الرفض التي لم تقتصر على الداخل الأميركي فقط، بل تعدته إلى مناطق مختلفة من العالم، وقبل أن ينفض زائروه، كشّر الرجل عن أنيابه، وبدأ تنزيل وعوده أرض الواقع.. وهو اتجه إلى إلغاء «أوباما كير»، وأعلن اعتزام تطوير منظومة متطورة للدفاع الصاروخي، تحمي من هجمات إيران وبيونيانغ.. وصدى الوعيد بإنشاء جدار على حدود المكسيك لا يزال يتردّد.

ترتعد فرائص العالم خيفة من «عهد ترامب».. لقد أفرغ الرئيس المزهو بنفسه وقدرته على الفعل كل ما في جعبته من انتقادات، لم ينجُ من مقصلة لاذع نقده سوى النظير الروسي فلاديمير بوتين.. أوروبا لم تفق بعد من صدمة البعد عن القرب التاريخي مع الأميركيين، ليس حلف الأطلسي وحده، بل وحدة القارة العجوز نفسها على المحك. يثير انقلاب ترامب على كل اتفاقات أوباما، لا سيّما الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية المناخ، قلقاً دولياً واسعاً.

فيما تختلط المخاوف بالآمال في الشرق الأوسط، الأولى من إقدامه على هدم كل ما تمّ بناؤه، بانتزاع قرار دولي ملزم لإسرائيل بوقف الاستيطان، فيما الأمل في محو الصورة العاجزة أحايين، والحذرة أخرى، والتي بدت عليها إدارة أوباما طوال ست سنوات من الصراع في سوريا. دخلت السياسة الأميركية منعرجاً جديداً، فأميركا ما بعد 20 يناير، ليست كما قبلها، ولن تكون.. ليس الولايات المتحدة، بل العالم كله مقبل على تغيير عصي على التوقّع.