تفوح رائحة الموت في معظم مدن وضواحي جنوب السودان، الجثث المتناثرة في شوارع مدينة موروبو تكشف أن ذويها خاضوا صراعًا للنجاة بأنفسهم، ولم يجدوا من الوقت ما يكفيهم لدفن من سقط منهم.
لقد هرب الجميع إلى مصير مجهول، وموروبو تلك المدينة الصغيرة التي سيطرت عليها المعارضة حديثاً، لا تختلف طبيعة الصراع فيها عن سابقاتها من المدن التي انتشر فيها القتال، بين الحكومة والقوات المعارضة لها حيناً، وبين المعارضين فيما بينهم حيناً آخر، كأنما الموت قرر مصيره واختار جنوب السودان موطناً على انقاض الحياة هناك، فالأشلاء منتشرة في كل مكان والحياة أبت أن تجود عليهم بالسكون الهادئ بل حتى الأرض الخصيبة باتت متعطشة للدماء.
كابوس
خابت كل المحاولات لإخراج أحدث دولة في الخريطة العالمية من براثن الحرب، إذ أطاح قادة دولة جنوب السودان بحلم الملايين، في الانعتاق والعيش في سلام لطالما مناهم به القائد الملهم للثورة في الجنوب السوداني في مطلع ثمانينات القرن الماضي العقيد جون قرنق ديمبيور، ولم تعش الدولة الوليدة التي قرر شعبها في التاسع من يناير في العام 2011 مصيره سوى عامين فقط من عمرها في سلام، إلا وتحول الحلم إلى كابوس جديد أحال حياة الناس هناك إلى جحيم.
ظلت محاولات إقناع الأطراف المتصارعة في الدولة ذات الست سنوات، حبيسة غرف وجدران مبنى الاتحاد الأفريقي الفخيم بالعاصمة الأثيوبية أديس ابابا، ولم تفلح الجهود التي تقودها منظمة «ايقاد» في إنهاء العنف الدائر بين الرئيس سلفاكير ميارديت ونائبه السابق ريال مشار رغم لغة التهديد التي ظل يمارسها مجلس الأمن على طرفي النزاع في جنوب السودان.
ويرجع الخبير الاستراتيجي السوداني اللواء المتقاعد د. محمد الأمين خليفة لـ«البيان» أسباب فشل التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بجنوب السودان إلى أن الأطراف المنوط بها إحداث السلام، تركوا جذور القضية الأساسية وذهبوا للقشور والتهديدات المبطنة. ويشدد خليفة بالقول «فإن لم تذهب الأطراف إلى أساس القضية لن يستطيعوا التوصل إلى حل بأي حال من الأحوال». ويؤكد أن الصراع الدائر في جنوب السودان، صراع على السلطة، غير أنه لامس القبيلية والاثنية مع عدم تطبيق الأسس الصحيحة للحل، ويعتبر خليفة أن أساس المشكلة يتمثل في كيفية إدارة التنوع في دولة وليدة مثل جنوب السودان. ويضيف «كل طرف استعان بقبيلته في إدارة معاركه في ظل التركيبة الهشة للمجتمع القبلي في جنوب السودان».
معالجة
ويرى اللواء المتقاعد، الذي أدار ملف التفاوض الحكومي مع متمردي الجنوب قبل الانفصال لمدة عشر سنوات، أن السودان هو أكثر الدول تأهيلاً للإسهام في معالجة الأزمة في جنوب السودان لمعرفة السودان بالأشخاص الحاكمين والأحداث الجارية الآن والقضايا الأساسية، ويشير إلى أن قضية التنازع بين المركز والهامش التي يشهدها جنوب السودان هي ذات القضية التي عانى منها السودان عندما كان موحداً، وأضاف «عندما انفصل جنوب السودان كان ينبغي أن ينظروا إلى ذلك باعتبارها القضية الأساسية، ولكنهم ذهبوا بذات الداء وحملوه من السودان إلى جنوب السودان، ولم ينظروا إلى الهامش وتمركزت السلطة كلها في المركز ولم يلتفتوا إلى قضايا الإنسان صاحب المصلحة الحقيقية، وهذه القضية الأساسية».
نشر قوات
قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في نيويورك، إن حكومة جنوب السودان ستقبل بنشر قوة حماية إقليمية أممية قوامها أربعة آلاف فرد. وأكّد وزير شؤون مجلس الوزراء في حكومة جنوب السودان، مارتين إليا لومورو، لرئيس البعثة الأممية في جنوب السودان مصطفى سوماري، أنّ الحكومة ستسمح بنشر قوات حفظ سلام إقليمية لتوفير الأمن للعاصمة جوبا.
وكان مسؤولون من وزارتي الخارجية والدفاع في جنوب السودان قالوا الأربعاء الماضي إن البلاد لن تعد تقبل بنشر قوات.
