بماذا كانت تُفكّر رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، وهي تنتقد بشدة خطاب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي تحدث فيه عن الحاجة إلى حل الدولتين للصراع الفلسطيني ــ الإسرائيلي والتوقف عن بناء المستوطنات؟ وكان المتحدث الرسمي باسمها قد قال أخيراً: «لا نعتقد بأن الطريق إلى التفاوض على السلام يكون بالتركيز على قضية واحدة لا غير، وفي هذه الحالة على بناء المستوطنات، عندما يكون من الواضح أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غاية التعقيد».

يعد هذا أمراً غير مألوف. فلماذا تهاجم ماي وزير خارجية أميركا جون كيري على قوله إن المستوطنات كانت العقبة الرئيسية أمام السلام؟ على الرغم من قوله في خطابه إن «المستوطنات لا تشكل السبب الوحيد أو حتى السبب الرئيسي لهذا الصراع»، كما وجه إدانة شديدة لما وصفه بالتحريض ضد إسرائيل والإرهاب.

موقف متناقض

أما الخارج عن المألوف أيضاً، فهو انتقادها جون كيري، في الوقت الذي لعبت حكومتها دوراً بارزاً في تمرير قرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي أدان إسرائيل بشأن توسيع المستوطنات؟ وكان كيري قد أمر الولايات المتحدة بالامتناع عن التصويت، بينما صوتت حكومة ماي لصالح القرار.

ومن يعارض توسيع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية يحذر من أن ذلك سيدفن حل الدولتين، مع تحمل إسرائيل مسؤولية نحو 2.6 مليون فلسطيني في الضفة الغربية.

وتعتبر ماي، بكل تأكيد، من أشد المناصرين لإسرائيل. ففي 12 ديسمبر الماضي، ألقت خطاباً يعد الأكثر تأييداً لإسرائيل من قبل رئيس وزراء بريطاني في المنصب. وفي خطابها أمام «أصدقاء إسرائيل المحافظين»، تحدثت عن فخرها بوعد بلفور الصادر عام 1917، والذي اعترفت بموجبه بريطانيا بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وأشادت بإسرائيل بشدة ووصفتها بأنها مثالاً يحتذى لبقية دول العالم على حد قولها.

لكن في الخطاب نفسه، أضافت أنه من المهم أن نكون «صادقين مع أصدقائنا، خاصة إسرائيل، لأن هذا هو معنى الصداقة الحقة. ولهذا السبب كانت بريطانيا واضحة بشأن بناء مستوطنات جديدة غير شرعية: هذا خطأ، لن يفضي إلى السلام، ويجب أن يتوقف».

خيبة أمل

وقد أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن خيبة أملها من التعليقات التي أدلت بها ماي، وأشارت إلى أن ملاحظات كيري تتماشى مع سياسة المملكة المتحدة.

ماي مقتنعة أيضا، مثل كيري، بأن حل الدولتين هو السبيل الوحيد إلى تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، فكيف يمكن تفسير هجومها على كيري، أخيراً إذن؟

أحد الدلائل المباشرة هو رد فعل رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو على قرار الأمم المتحدة رقم 2334. كان نتانياهو غاضباً من بريطانيا لمناصرتها القرار. فالموافقة على القرار كانت غير معهودة نظرا لعدم استخدام الولايات المتحدة حق النقض، فيما تعرضت بريطانيا للانتقاد من جانب إسرائيل بشأن تصويتها الإيجابي على القرار.

وكان رد فعل حكومة نتانياهو على هذه الإدانة الدولية هستيرياً، وقد تكون ماي أجرت حساباتها واستنتجت بأن الحفاظ على النفوذ مع حكومة نتانياهو يتطلب منها النأي بنفسها عن إدارة أوباما التي لا تتمتع بالشعبية في إسرائيل خلال هذه الفترة. وتبقى بريطانيا من أقوى حلفاء إسرائيل في أوروبا، وتريد ماي إبقاء الوضع على هذا النحو.

وتريد ماي أيضا بشدة تملق إدارة ترامب المقبلة التي قالت إنها على استعداد لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، في إطار قطيعة مع السياسة الأميركية الحالية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي. ويعد سفير ترامب المعين في إسرائيل من أشد المؤيدين لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.

وقد أشار السفير البريطاني في واشنطن، كيم داروش، إلى أن ماي سترغب من خلال بناء علاقات مع ترامب، في تقليد ومحاكاة العلاقة التي ربطت ريغان بتاتشر. لكن الصراع العربي الإسرائيلي شكل ساحة واحدة لا غير، حيث كانت هناك خلافات شديدة جداً بين الزعيمين. حاولت تاتشر إقناع ريغان بالضغط على الإسرائيليين كوسيلة لكسر الجمود في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، لكنها أخفقت في ذلك. ولم تكن متعاطفة خاصة مع القضية الفلسطينية لكنها كانت تخشى من أن يؤدي الفشل في حل الصراع إلى إحداث فراغ خطير يعمل لصالح الاتحاد السوفييتي والقوى المتطرفة في المنطقة. وفي نهاية المطاف، كانت على حق.

تعتقد ماي أن بإمكانها ربما أن تنجح حيث أخفقت تاتشر، في إقناع ترامب بالمضي قدماً بحل الدولتين.

تشريع

صادق الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر 2016 في قراءة أولى على قانون تشريع المستوطنات في الضفة الغربية بـ58 صوتاً مقابل 51. وما زال القرار يحتاج إلى قراءة ثانية وثالثة ليصبح نافذاً. ويعتقد عدد كبير من المحللين بأن المحكمة العليا ستقرر في نهاية المطاف بأن القانون غير دستوري.

«ازدادت مشكلة المستوطنات سوءاً حيث إنها تضع في خطر إمكانية حل الدولتين.. وقد وصف نتنياهو حكومته بأنها أكثر التزاماً بالمستوطنات من أي حكومة أخرى.. وقال إنه يبقى ملتزماً بالسعي لتحقيق حل الدولتين، هذه التصريحات لا يمكن التوفيق بينها».

سامانثا باو، المندوبة الأميركية الدائمة في الأمم المتحدة

 

"التصويت في الأمم المتحدة كان بشان الحفاظ على حل الدولتين. هذا ما نقف من أجله. مستقبل إسرائيل هو دولة يهودية وديمقراطية تعيش بسلام وأمن مع جيرانها. وهذا ما نحاول الحفاظ عليه لصالحنا وصالحهم".

جون كيري، وزير الخارجية الأميركية

 

 

أوجه شبه

توجد أوجه شبه مثيرة للاهتمام في علاقة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي بنظيرها الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، مع علاقة رئيسة مارغريت تاتشر بمناحيم بيغن، خلال سنواتها الأولى في السلطة. وكانت تاتشر مثل ماي متعاطفة جداً تجاه إسرائيل.

لكن بيغن أخطأ في إبعاد تاتشر بموقفه المتحدي المعارض للغاية لموضوع التوسع الاستيطاني، ولم تعد علاقتهما إلى سابق عهدها مطلقاً. ويرتكب نتانياهو الخطأ نفسه مع أصدقاء إسرائيل اليوم، لكن ماي من دون شك تعتقد أن بإمكانها ممارسة نفوذ إيجابي على الزعيم الإسرائيلي الذي يعرف بأنه ما زال رسمياً وعلنياً (حتى الآن) مؤيداً لحل الدولتين.

دعا ترامب إلى استخدام حق النقض من قبل الولايات المتحدة. وبعد التصويت تعهد بأن «الأمور ستختلف بعد 20 يناير». وقام بتعيين مؤيد المستوطنات ديفيد فريدمان سفيراً لإسرائيل. ويقول مساعدوه إنه جدي بشأن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

دونالد ترامب الرئيس الأميركي المنتخب