بدأت ظاهرة الذئاب المنفردة تتزايد في أنحاء أوروبا كتكتيك جديد من قِبل الجماعات الإرهابية لاستغلال أي ثغرات أمنية لارتكاب جرائمها، فهذا التوجه الجديد لتنظيمي داعش من خلال الإرهابية الفردية بطرق غير تقليدية، مثل الدهس دفع الجهات الأمنية عبر العالم إلى مراجعة استراتيجيتها لمحاربة هذا النوع من الإرهاب الجديد.

المخاوف الأمنية من أسلوب الذئاب المنفردة لا يقتصر على سهولة انتشارها وتنوعها، لكن هناك صعوبة في تعقب منفذيها، فلا جماعات كبيرة يرتبط فيها، ولا اتصالات هاتفية مع أطراف معينة يمكن تعقبها، وهو ما نجده مع منفذ الاعتداء على ملهى في إسطنبول، الذي لا يزال طليقاً، إضافة إلى منفذ حادث الدهس في برلين، والذي تمكن من السفر إلى إيطاليا، ولولا الحظ من خلال محاولة توقيف سيارته واستجوابه، ومن ثم القضاء عليه، لكان لا يزال حراً، وهو على استعداد لبث الرعب في إيطاليا، من خلال عمليات إرهابية أخرى.

الذئاب المنفردة هم أشخاص يقومون بهجمات بشكل منفرد، دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيم ما، كما يطلق هذا الوصف أيضاً على هجمات فردية تنفذها مجموعات صغيرة من شخصين إلى خمسة كحد أقصى. لكن سريعاً ما تتبنى «داعش» عملياتهم لكسب صخب إعلامي.

أوروبا أصبحت في قلب نار الإرهاب. هجمات بأشكال مختلفة في أكثر من دولة أوروبية، والقارة تبدو عاجزة عن المواجهة. هناك ما يحول دون القدرة على الانتصار على الإرهاب. هل هناك بيئة حاضنة، تمنع من الوصول إلى الإرهابيين؟، وبالتوازي، ينمو خطاب كراهية عنصريٌّ في أكثر من دولة أوروبية، يدفع بالتأكيد نحو تطرف مضاد.

اتفاقية شينغن

مدبر اعتداءات باريس صلاح عبد السلام، كان يتنقل بحرية عبر الحدود بين بلجيكا وفرنسا وبلدان أوروبية أخرى قبل وبعد الهجمات الدامية التي ضربت باريس في شهر نوفمبر 2015، جاءت المعطيات لتؤكد هذه الحرية التي تتيحها اتفاقية شينغن لإلغاء المراقبة على الحدود بين 26 دولة أوروبية، يستغلها أيضاً إرهابيون آخرون، وهي تطرح بالفعل الإشكالية المعقدة بين مكافحة الإرهاب وبين الحقوق المدنية المكتسبة في أوروبا، فإذا استمرت الحرب في كلّ من أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا، لا بدّ ستجد تلك الفصائل نفسها مضطرة، عاجلاً أو آجلاً، إلى التوجه نحو العودة إلى الاتحاد في تنظيم قاعدة جديدة ربما باسم جديد، لتتمكن هذه من مجابهة الهجمة عليها، بل ومن نقل عملية المواجهة إلى مجابهة أوسع مرجحة لأن تمتدّ إلى أوروبا.

وهو ما تتخوف منه القارة العجوز، حيث بدأت في التحرك على أكثر من جبهة لمواجهة هذا الخطر، حيث زار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند الأسبوع الماضي العراق للوقوف على الوضع في الموصل، وللتنسق مع السلطات العراقية لمنع عودة المسلحين الفرنسيين الموجودين في العراق إلى بلادهم، حيث أكد أن أمن العراق سيسهم في مواجهة أي ضربات إرهابية في فرنسا.

5000

وكشفت الشرطة الأوروبية أن هناك قرابة 5000 مسلح متطرف يحملون جوازات أوروبية عادوا إلى أوروبا، بعد تلقيهم تدريباً في سوريا والعراق، فيما تحاول القارة العجوز الرد على هذه التهديدات من خلال أسلوبين، الأول عبر الدعوة إلى تحصين الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

من جهة أخرى، يؤكد الكثير من الخبراء الأمنيين، أن شبكات الإرهاب تنشط عبر الحدود، بينما لا تزال أجهزة الأمن والمخابرات الوطنية تتردد في التنسيق في ما بينها، وتفضل الاحتفاظ بالمعلومات الحساسة. ولهذا، بدأت وكالة الشرطة الأوروبية مؤخراً بإقامة مركز أوروبي مشترك لمكافحة الإرهاب في لاهاي الهولندية، بهدف تسريع تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء.

تصور

دعت عدد من الدول الأوروبية، إلى وضع تصور واقعي لطبيعة التحديات الأمنية، وتحديد مكامن الخطر، والشروع بإجراءات أمنية وقائية عبر مراقبة المساجد والمدارس الدينية، من خلال تشجيع مساهمة المسلمين العقلاء على القيام بدور أكبر في التجمعات الإسلامية، وتنشيط الاستعلام داخل هذه التجمعات، ومراقبة تشكل البيئات الحاضنة التي يمكن أن تقدم الدعم بكل أشكاله للعناصر الإرهابية التنفيذية، كما حصل في بلجيكا، حيث قدم البعض المساعدة لعدد من الإرهابيين من خلال تأمين ملاذات آمنة لهم.