من الواضح أن سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما، التي تحمل توقيعه في شرق آسيا، «التمحور» أو «إعادة التوازن»، لم تعد قائمة، حتى قبل أن يغادر منصب الرئاسة. ويتضح هذا الأمر بمصادرة الصين لطائرة تحت الماء موجهة عن بعد في 15 ديسمبر داخل المياه الدولية.

وواقع أن الصين قامت بتسليم الطائرة بعد بضعة أيام بالكاد، يشكل تعويضاً عن هذا العمل، الذي إن لم يكن عملاً من أعمال العصيان لضابط برتبة دنيا (ولم يقترح أحد في بكين ذلك)، فإنه مثل رسالة مفادها أن الصين يمكنها أن تفعل ما تريده في غرب المحيط الهادي، وأن الولايات المتحدة لا يمكنها إيقافها.

وهذه الرسالة تم تبليغها حتى بشكل أكثر فاعلية من خلال استمرار الصين في جهودها الرامية إلى تحصين الجزر الاصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتحويل هذه الجزر إلى منصات أسلحة غير قابلة للغرق، تهدد بحرية الولايات المتحدة والدول المجاورة.

وكان جانب من هدف أوباما في التمحور حول المحيط الهادي، نقل مزيد من القوات الأميركية والتركيز الدبلوماسي على المنطقة لوقف استيلاء الصين عليها، لكنه أخفق بمفرده في تحقيق أي نتائج مهمة.

دعامة اقتصادية

دعامة أخرى في سياسة «إعادة التوازن»، تمثلت أيضاً بالتزام أوباما بنظام التجارة الحرة، الذي من شأنه أن يدفع بلدان شرق آسيا دون الصين، إلى الانحياز نحو واشنطن. لكن الشراكة عبر المحيط الهادي، التي تضم 12 دولة، عانت من ورطة قبل الانتخابات، بعد أن رفضها كل من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب.

وعلى إثر فوز ترامب بناء على برنامج يدعو للحماية، فإن زعماء الكونغرس قرروا عدم طرح اتفاقية الشراكة للتصديق. وهذا الأمر سيفسح المجال أمام الصين للدفع بمعاهدتها للتجارة الحرة، الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، التي تستبعد الولايات المتحدة. وقد أعرب جميع حلفاء أميركا المقربين، بما في ذلك أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان عن اهتمامهم بالانضمام إليها.

وهناك دلائل أخرى، تشير إلى انجذاب دول شرق آسيا نحو الصين، وبعيداً عن «العم سام». في مطلع نوفمبر، توجه رئيس الوزراء الماليزي، نجيب رزاق، إلى بكين من أجل اجتماع قمة رفيع المستوى، أسفر عن توقيع اتفاقات تجارية بقيمة 34 مليار دولار، تضمنت أول اتفاقية لماليزيا على الإطلاق، تقضي بشراء أسلحة من الصين، هي عبارة عن أربع سفن حربية.

وجاءت قمة رزاق بعد زيارة أخرى إلى بكين، قام بها الرئيس الفلبيني رودريغو دوترتي، معلناً أن: «أميركا قد خسرت الآن، ولقد أعدت اصطفافي في تياركم الفكري». ويمضي دوترتي في ترداد تهديده بمنع قوات الجيش الأميركي من زيارة الفلبين.

ويبدو ترامب عازماً على كبح القوة المتنامية للصين، والتي يشكل العجز التجاري الأميركي رمزاً لها بالنسبة له، حتى فيما يستعد أيضاً للانفتاح على موسكو.

وبالتالي، مكالمة ترامب مع الرئيسة التايوانية تساي إنغ-وين في 2 ديسمبر، كانت المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس أميركي إلى رئيس تايواني منذ عام 1979، وكان المقصود منها استهداف بكين.

هذا صحيح، إذ إن ترامب يريد أيضاً «إعادة ضبط» العلاقات مع روسيا، و«التمحور حول» المحيط الهادي، كما أمل أوباما في يوم من الأيام. فهل هناك من سبب يدعونا للتوقع أن هذه السياسة ستكون أكثر نجاحاً في المرة الثانية؟.

عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الصين، فإن نقطتين تصبان في صالح ترامب، هما أجواؤه التهديدية والمتوعدة غير القابلة للتنبؤ، والتزامه برفع الإنفاق الدفاعي.

وقد أشار العديد من المعلقين، إلى أن ترامب سوف يسعى إلى محاكاة دور «الرجل المجنون»، الذي قام به الرئيس الأميركي الأسبق نيكسون، في سبيل الضغط على الصين والأعداء الآخرين لتقديم تنازلات. وبالتأكيد، فإن الصين ستكون قلقة بشأن أي اشتباك مع ترامب، أكثر مما مع أوباما «الذي يفتقر إلى الدراما».

وتشير مكالمة ترامب مع الرئيسة التايوانية، إلى ميله لسياسة حافة الهاوية التي تنقص سلفه، في السراء والضراء. وبالتالي، يمكن لترامب الضغط على الصين لتقديم تنازلات، أو ارتكاب خطأ الوقوع في حرب لا يريدها أحد.

ورقة رابحة

ورقة رابحة أخرى لترامب، إذا جاز التعبير، هي دفاعه عن توسيع القوات المسلحة الأميركية. المشكلة هي أن ترامب لم يلمح إلى كيفية قيامه بدفع تكاليف هذه التعزيزات، التي ستبلغ على الأقل 363 مليار دولار على مدى أربع سنوات.

وبالنظر إلى أنه أعلن أيضاً عن خطط لإنفاق هائل على البنية التحتية، وعن خفض للضرائب، فإنه أبعد ما يكون عن الوضوح في كيفية قيام صقور الميزانية في الكونغرس بالسماح له بزيادة الإنفاق على الدفاع.

وضد هذه المزايا غير المؤكدة، ينبغي أن نضع في الحسبان المشكلات العديدة التي ستواجه ترامب أثناء محاولته تغيير ميزان القوى في آسيا. فالأمر لا يقتصر على عدم معرفته بالمنطقة، أو افتقاره إلى الخبرة الدبلوماسية وقضايا الأمن القومي، أو نكهة خطابه العصبي، أو عاداته في إطلاق التغريدات.

هناك أيضاً عداؤه القديم لحلفاء الولايات المتحدة، الذين يراهم متطفلين غير ممتنين، وللتجارة الحرة التي ينظر إليها على أنها سرقة ونهب.

منذ الانتخابات، أجرى ترامب محادثات مع قادة كوريا الجنوبية واليابان، حيث قيل إنه طمأنهما بأنه لن يتخلى عن تحالفات الولايات المتحدة.

لكن ماذا سيحصل إذا طالب، كما قال إنه سيفعل، بأن تدفع كوريا الجنوبية واليابان أكثر مقابل امتياز الحماية من جانب الولايات المتحدة؟، فكل من وزير الخارجية شينزو آبي، والرئيسة الكورية الجنوبية بارك جيون-هاي موالون للولايات المتحدة بما يكفي، بحيث إنهما قد يوافقان.

لكن بارك الآن في مسار عزلها، فيما مرشحو المعارضة البارزون لخلافتها، اليساري مون جاي-إن، والشعبوي لي جاي-ميونغ، هما أقل موالاة لأميركا بكثير، وأكثر ميلاً لمساومة كوريا الشمالية منهم لمواجهتها.

إذا فاز أحدهما بالرئاسة، وطالب ترامب بمزيد من الدفعات المالية للحصول على حماية، فإن كوريا الجنوبية قد تسمح للقوات الأميركية بالمغادرة. وإذا ما حصل هذا الأمر، فإن مكانة أميركا في منطقة المحيط الهادي سوف تتراجع.

كذلك إذا مضت بكين باتفاق التجارة، بينما لم تقم واشنطن بأي محاولات لإحياء اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، فإن نفوذ أميركا سوف يتراجع أيضاً. وسيحدث أسوأ من ذلك في حال رفع ترامب التعرفة الجمركية، وأعلن حرباً تجارية على الصين، وهو ما يصل إلى وثيقة انتحار متبادلة، نظراً إلى مدى ارتباط اقتصاد كل من الصين وأميركا.

احتمالات تطبيق سياسة التدمير الذاتي تلك، ازدادت الآن، مع تعيين أبرز الحمائيين، وهو بيتر نافارو، لترؤس المجلس التجاري الوطني الجديد في البيت الأبيض، ومستشاراً اقتصادياً له. ففرض الحواجز الجمركية، سوف يضر بالاقتصاد الأميركي، ويخفض بشكل كبير من نفوذ أميركا في آسيا. «فورين بوليسي»

إعادة تفكير

إذا كان ترامب جاداً بشأن تلبية وعوده بشأن التمحور حول المحيط الهادي، فسيحتاج إلى إعادة التفكير بمشاعر النفور تجاه الحلفاء والتجارة الحرة، جنباً إلى جنب مع عاداته في إطلاق العنان لدوافعه الغريزية في كل مرة يصرح فيها أو يرسل تغريدة.

وسوف يكتشف الرئيس الجديد قريباً أن الرئيس الصيني شي جينبينغ، إذا شعر بالإهانة، فإنه يملك وسائل أكثر فعالية للرد بصورة لا يمكن تصورها على المرشحين السابقين.

محاكاة دور (الرجل المجنون)

ترامب سيسعى إلى محاكاة دور «الرجل المجنون»، الذي مثله نيكسون في سبيل الضغط على الصين والأعداء الآخرين لتقديم تنازلات. ل

كن باعتراف الجميع، فإن نظرية الرجل المجنون لم تنفع مع نيكسون، وقد فشل في ترويع هانوي لإنهاء حرب فيتنام عام 1969، كما كان يأمل. لكن ترامب قد يكون قادراً على ترك انطباع أقوى وأكثر إقناعاً كمجنون يشعل الحروب. وفي حالته، فإن التمثيل قد يكون حقيقياً للغاية.

وانغ يي - وزير الخارجية الصيني

الاتصال بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة تايوان تساي إنغ وين، انخراط من جانب تايوان في عمل تافه ودنيء، لا يمكن أن يغير هيكل الصين الواحدة، الذي شكّله المجتمع الدولي، وسياسة الصين الواحدة التي تتبعها حكومة الولايات المتحدة منذ فترة طويلة.

تساي انغ-وين - رئيسة تايوان

تعليق الكلام: أشدد على أن اتصالاً هاتفياً واحداً لا يعني تحولاً في السياسة، ولا أتوقع تحولات كبيرة في السياسة في المستقبل القريب، لأننا جميعاً ندرك أهمية الاستقرار في المنطقة. الاتصال الهاتفي كان سبيلاً لنا لنعبر عن احترامنا للانتخابات الأميركية، ولتهنئة ترامب على فوزه.