لم يعد الكلام عن عودة الحرب الباردة مجرد توقّعات أو من باب التحذير. هذه الحرب بدأت فعلياً، ربما، منذ تسلّم فلاديمير بوتين مقاليد الحكم في روسيا، وحينها قال إن تفكيك الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين، ثم أتبعه بتصريح يقول إن «من لا يأسف لانهيار الاتحاد السوفييتي ليس له قلب».

وما من شك أن أزمتي سوريا وأوكرانيا والتعامل الحاد والجذري الذي اتبعته موسكو إزاءهما، راكم على مفاعيل حرب القوقاز ومشكلة الدرع الصاروخية، مفاعيل جديدة.

ولم تكد أسارير القلقين على مصير العالم تنفرج وهم يسمعون الرئيس الأميركي المنتخب يشيد بذكاء نظيره الروسي المخضرم، ويعد بالتعاون معه وتحسين العلاقات مع موسكو، حتى عاد القلق يخيم من جديد بعدما تبادل الزعيمان تصريحات ساخنة بنكهة نووية.

لا مفاجأة

كلام بوتين عن ضرورة تعزيز القدرات النووية لبلاده ليس مفاجئاً ولا هو بجديد. فقد سبق له أن أدلى بتصريحات أقوى، بل ومصحوبة بتهديدات نووية مباشرة للغرب.

لكن الجديد والمثير خلال الأيام الماضية أن الرئيس الروسي تبادل تصريحات نووية مثيرة للجدل مع ترامب الذي كان من أهم عناصر حملته الانتخابية التشديد على ضرورة تحسين العلاقات مع روسيا وتعزيز التعاون معها في مواجهة الإرهاب وحل بعض الملفات الإقليمية العالقة، بل ذهب ترامب إلى الإشادة بشخص بوتين ووصفه بالحنكة والذكاء وقوة الشخصية، مقابل السخرية من الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما.

ورأى بعض المراقبين أن المناكفة النووية بين الرجلين تضع تعهّدات الرئيس الجمهوري القادم للبيت الأبيض بتحسين العلاقات مع روسيا محل اختبار، رغم أنه عيّن أكثر من شخص من مؤيدي العلاقة في مناصب مهمّة، بما في ذلك أعلى الهرم الدبلوماسي، وزير الخارجية.

بادئ ذي بدء ينبغي التوقّف عند التصريحات المتبادلة، في محاولة لسبر أغوارها واستنباط مدى ترجمتها على أرض الواقع وانعكاس ذلك على البلدين والعالم.

في تغريدة على تويتر دعا ترامب إلى تعزيز القدرات النووية الأميركية معتبراً ذلك عودة «العالم إلى صوابه». وبدا أن هذا التعليق جاء رداً على بوتين الذي قال في وقت سابق إنه ينبغي لروسيا «تعزيز الإمكانات العسكرية للقوى النووية الاستراتيجية».

وحتى لا توضع التغريدة في إطار المزاجية الشعبوية للرئيس المنتخب فإنه عاد وعززّها في اليوم التالي، إذ نقلت ميكا برزيزنسكي المذيعة في محطة (إم.إس.إن.بي.سي) أنه قال لها في محادثة هاتفية قبل البث: «فلندع الأمر يصبح سباقاً للتسلح. سنتفوّق عليهم في كل منعطف وسنصمد أكثر منهم جميعاً».

ويجدر التذكير بما صرّح به ترامب في سبتمبر الماضي، خلال حملته الانتخابية، حين قال إن الترسانة النووية الروسية تتفوق على مثيلتها الأميركية، وأن روسيا تعمل على توسيع قدراتها النووية.

مقارنة

قبل ذلك، في 16 يونيو 2016 كان ترامب قال لمؤيديه إن الترسانة النووية الأميركية أضعف من الترسانة الروسية، ووجه انتقادات مبطنة إلى إدارة الرئيس باراك أوباما.

الترجمة الفعلية لتصريحات ترامب هي تحديث الترسانة النووية الأميركية، حيث إن الخبراء الأميركيين يتوقّعون أن تصل الأعمدة الثلاثة للقوة النووية الغواصات التي تطلق الصواريخ الباليستية والقاذفات، والصواريخ التي تطلق من الأرض، إلى نهاية عمرها الافتراضي، وتشير تقديرات إلى أن تكاليف تحديث الترسانة قد تصل نحو تريليون دولار على مدى 30 عاماً.

وفي محاولة لوضع الأمور في نصاب آخر، قال شون سبايسر الناطق باسم الرئيس المنتخب إن تصريحات ترامب النووية كانت تهدف إلى إرسال رسالة قوة بشكل عام لدول مثل روسيا والصين، أكثر من كونها إشارة إلى خطط الولايات المتحدة لزيادة قدراتها النووية، مضيفاً إن ترامب: «سيفعل ما يلزم لحماية هذا البلد، وإذا أرادت دولة أخرى أو دول تهديد أمننا وسيادتنا سيفعل ما يتطلبه الأمر».

التحسّن الصعب

قد تشير تصريحات ترامب النووية إلى أن تحسين العلاقات مع موسكو قد لا يكون مهمة سهلة. ويمكن العودة قليلاً إلى الوراء باعتبار أن قضايا على درجة عالية من الحساسية لا تنفجر دفعة واحدة، بل عادة ما تكون مسبوقة بمقدّمات.

ففي السابع والعشرين من سبتمبر 2016، وفي التقاط من جانب بعض الصقور لتصريحات ترامب النووية، اعتبر وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر أن روسيا بقيادة بوتين تثير قلقاً أكبر مما كان يثيره الاتحاد السوفييتي على صعيد إمكان استخدام السلاح النووي.

3 مراحل روسية

أميركا حافظت على منسوب قوّتها العسكرية والاقتصادية من دون مطبات دراماتيكية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كانت أكبر المستفيدين منها رغم مشاركتها الرمزية في أواخرها، لكن روسيا، على النقيض من ذلك، طوت صفحة وفتحت بعدها صفحتين. انطوت صفحة الاتحاد السوفييتي وفتحت صفحة ما بعد الانهيار في عهد بوريس يلتسين، ثم صفحة النهوض في عهد فلاديمير بوتين.

بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، جلس في الكرملين الزعيم المسن بوريس يلتسين الذي وصف بأنه كان تابعاً على نحو شبه مطلق للغرب، وكانت روسيا توصف بأنها مجرد دولة إقليمية.

ولكن سرعان ما عادت للنهوض تدريجياً من جديد، بعدما استلم بوتين السلطة وهو الذي نما وترعرع وصال وجال في جهاز «كي جي بي» الاستخباري السوفييتي. وفي عهده عادت روسيا لتشغل موقع القطب العالمي المضاد لأميركا، وعاد سباق التسلح لكن أشد مما كان عليه.

ترسانة موروثة

ومن المعروف أن الترسانة النووية السوفييتية لم تتبخّر بل ورثتها روسيا، وهي ترسانة ضخمة تضم أكثر من 8500 رأس نووي. وهو عدد أكبر مما تمتلكه الولايات المتحدة وحليفاتها.

كما ورثت ناقلات أو حاملات مختلف أنواع الصواريخ والطائرات الاستراتيجية والغواصات والسفن الحربية. وحين استلم بوتين السلطة، فإن أول شيء فعله هو إعادة تصويب الأسلحة النووية باتجاه أميركا ودول حلف شمال الاطلسي (الناتو).

في سنة 2012، أدلى بوتين بتصريح قال فيه: إن «روسيا لن تكرر أبداً الخطأ الذي ارتكب خلال الحرب العالمية الثانية، وهو انتظار تلقي الضربة الأولى. وإن روسيا لن تكون معتدية، لكن الضربة الأولى ستكون لنا. وستكون حتماً ضربة نووية ماحقة».

موسكو تتحضّر

في أكتوبر 2016 شرعت وسائل إعلام محلية ومسؤولون روس بتهيئة الرأي العام إلى احتمال وقوع حرب نووية مع الغرب. وذكرت التقارير حينها أن روسيا ما فتئت تبلغ مواطنيها أن الغرب مصمم على شن حرب نووية ضدها، وأن الأميركيين يحضّرون أسلحتهم النووية لاحتمال استخدامها ضد موسكو.

واوضحت أن السلطات الروسية شيدت ملاجئ تحت الأرض تتسع لما يقرب من 12 مليون نسمة في موسكو. كما درّبت مواطنيها مرتين منذ تولي بوتين الرئاسة، على كيفية التعامل مع هجوم نووي.

وكان بوتين أصدر أمراً بتعليق الاتفاق مع الولايات المتحدة حول معالجة البلوتونيوم بسبب خطوات واشنطن «غير الودية» حيال موسكو، وكانت واشنطن، أعلنت في وقت سابق تعليق المشاركة في المباحثات الثنائية مع موسكو، والمتعلقة بالصراع في سوريا.

مفاجأة روسية

في الأيام الأخيرة من العام المنصرم، أشارت صحيفة «فايننشال تايمز» إلى زيادة المخاوف الغربية من حديث روسي متزايد عن استخدام السلاح النووي، وذكرت: «سواء في السر أم العلن، يقوم الروس الآن بتقديم إشارات واضحة بشكل متزايد للترسانة النووية في بلادهم. ونقلت عن بوتين قوله إن الغرباء لا ينبغي أن (يعبثوا معنا)، لأن روسيا واحدة من القوى النووية الرائدة».

صحيفة «برافدا» الناطقة باسم الاتحاد السوفييتي السابق نشرت قبل بضعة أيام مقالة تحت عنوان «روسيا تحضّر مفاجأة نووية لحلف الناتو»، وكتبت أن روسيا متكافئة مع الولايات المتحدة في مجال الأسلحة النووية الاستراتيجية، وذكرت متفاخرة: «أما بالنسبة للأسلحة النووية التكتيكية، فإن تفوّق روسيا في العصر الحديث على حلف الناتو أقوى بكثير.

 الأميركيون يدركون هذا جيداً. لقد كانوا مقتنعين من قبل أن روسيا لن تعود أبداً من جديد. الآن، فات الأوان».

كُرة ترامب

ابتداءً من يوم 20 يناير، سيرافق الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، مساعد عسكري يحمل «كرة القدم النووية» في جميع الأوقات، ما يتيح له أن يأمر بتوجيه ضربة نووية في أية لحظة.

وسواء كان في البيت الأبيض أو في موكب أو على متن طائرة الرئاسة أو في الخارج، لن يكون على بعد أكثر من متناول ذراع من حقيبته. وقال بيت ميتزغر الذي حمل الحقيبة النووية خلال فترة رونالد ريغان: «عليك أن تكون على استعداد في أي وقت».