حصلت فلسطين على قرار تاريخي قبل أيام من مجلس الأمن بإدانة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، وكان القرارمدعاة لنشوة فلسطينية في إطار الصراع الطويل مع إسرائيل، فقد ناموا على هدف كبير ومباشر في المرمى الإسرائيلي، وبدت إسرائيل منبوذة.

فالمتعارف عليه في مجلس الأمن، وعندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين أن يكون هناك «فيتو» أميركي يقطع طريقهم نحو الحرية، وامتناع للدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، ويبقى التصويت فقيراً إلا من بعض الدول الصديقة غير الثابتة. لكن هذه المرة هناك تقدم كبير في الموقف الأميركي، وتقدم أكبر بكثير في الموقف الأوروبي الذي أعلن بلا مواربة نبذه للاستيطان.

تصفية حساب

وقال المحلل السياسي أكرم عطالله إنه منذ اللقاء الأول الذي تعاطى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مع الرئيس الأميركي باراك أوباما بعدم احترام، وبدأ يشرح له كمعلم دروساً في السياسة الدولية، شعر حينها الرئيس الأميركي بالإهانة، ولم يبتلع الإهانات الإسرائيلية على مدار السنوات الماضية.

وأوضح عطالله أن نتانياهو شن غارة أخرى على أوباما بعقر داره في الكونغرس، متجاهلاً هيبة الرئيس، ليحرض الأعضاء على رفض سياسة الأخير عندما قرر توقيع الاتفاق النووي مع إيران، وثمة إهانات كان من الصعب على البيت الأبيض أن يتجرعها وأن يسمح بتمريرها دون أن يوجه اللكمة الأخيرة لكل هذه الغطرسة التي انبثقت من استعلائية إسرائيل.

ولفت إلى أن إسرائيل مارست السلوك نفسه تجاه وزير الخارجية الأميركية جون كيري عندما أجهضوا مبادرته بالتفاوض، وصفعوا نائب الرئيس جو بايدن عندما أعلنت حكومة نتانياهو بناء 1600 وحدة استيطانية إثناء وجوده في القدس.

وتوارد إلى إسرائيل معلومات بأن أوباما سينتقم بعد الانتخابات الأميركية، وسيترك للفلسطينيين الذهاب لمجلس الأمن، وستمتنع إدارته عن استخدام «الفيتو»، حيث أطلقت الصحافة الإسرائيلية على هذا السيناريو اسم «كابوس نتانياهو».

واستل الإسرائيليون على إثر القرار سكاكينهم ضد نتانياهو، ليحملوه مسؤولية كراهية العالم لإسرائيل إلى هذا الحد، بعدما تحقق الكابوس الذي مثل واحدة من أهم اللحظات التاريخية بالنسبة للفلسطينيين، بحصولهم على القرار في لحظة تاريخية لن تتكرر.

انتقام وليس تعاطفاً

ويرى المحلل السياسي هاني حبيب أن الموقف الأميركي جاء انتقاماً من جانب إدارة أوباما من نتانياهو وحكومته، أكثر من كونه تعاطفاً مع القضية الفلسطينية، كما لم تكتف باقي الدول بالتصريح بأن الاستيطان عقبة أمام السلام، بل أشارت بوضوح إلى أن الاستيطان غير شرعي ويضع إسرائيل في مواجهة مع القانون الدولي باعتبار الضفة الغربية والقدس أراضي محتلة يتوجب أن تشكل أية عملية تفاوضية أداة لقيام دولة فلسطينية عليها.

وفي أول مجابهة لإسرائيل ضد قرار مجلس الأمن، كشفت إسرائيل عن وجهها الحقيقي أمام الجميع بإعلان بناء 5000 وحدة استيطانية في القدس، ما حدا بالقيادة الفلسطينية للإعلان عن التوجه من جديد لمجلس الأمن لفرض عقوبات.

وحذر وزير الخارجية د. رياض المالكي، من أنه إذا ما تمادت إسرائيل في الاستيطان بعد قرار مجلس الأمن، فإن فلسطين ستدرس التوجه إلى المجلس مجدداً لطلب قرار ضمن البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وربما نبدأ بالحديث عن عقوبات تفرض على إسرائيل نتيجة لهذا التوجه.

عزل وغضب

واتهمت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو بأنه يعمل على عزل إسرائيل دولياً لصالح مستوطنات معزولة. وجاءت الاتهامات بعد إلغاء نتانياهو زيارة كانت ستتم خلال أيام لرئيس الوزراء الأوكراني إلى تل أبيب بسبب تصويت بلاده لصالح قرار مجلس الأمن وبعد التهديد الإسرائيلي لدولة السنغال، وتابعت كأنها تشير إلى خطورة نهجه فتساءلت: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يقطع نتانياهو علاقته مع بريطانيا وفرنسا وروسيا.

وربما كان الكاتب الإسرائيلي ياريف اوبنهايمر أكثر وضوحاً في انتقاد السياسة الإسرائيلية، حين كتب مقالاً في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، تحت عنوان «شكراً أوباما لأنك مررت القرار»، واصفاً التصويت بأنه آخر محاولة لإنقاذ إسرائيل من نفسها، والحفاظ على آفاق الانفصال عن الفلسطينيين بسلام.

ويرى المحلل السياسي طلال عوكل، أن هذا القرار يشكل عاملاً قوياً نحو توسيع دائرة المقاطعة للمستوطنات ومنتجاتها والمستثمرين فيها، ودافعاً لتوسيع دائرة التضامن مع القضية الفلسطينية وتفهم الحقوق الوطنية للفلسطينيين.

وأضاف: «القرار يشكل إضافة تراكمية نوعية للإنجازات التي سبقت ويشكل حصانة قانونية تاريخية لحقوق الفلسطينيين على جزء من أرضهم التاريخية، كما أن القرار يلقي على إسرائيل استحقاقات قد تدفعها نحو المزيد من الجنون والانتحار الذاتي، وكذلك أيضاً يلقي على الفلسطينيين مسؤولية الإسراع في ترتيب البيت وتحصينه».

التحول الأميركي

وترى الكاتبة في الشأن السياسي رندة تقي الدين، أن موقف أوباما الذي جاء متأخراً، سيبقى رمزاً يؤكد للأميركيين وللعالم أن ما تقوم به إسرائيل من استيطان واحتلال وضم أراضٍ غير شرعية، يتنافى مع أي حل لدولتين. كما أن أهمية القرار تؤكد الإساءة التي طالما وجهها الدعم الأميركي الأعمى لما تقوم به إسرائيل من خرق للشرعية الدولية، وهو موقف أميركي رسمي يسبق تسلم الرئيس دونالد ترامب الذي قال إن كل شيء سيتغير بعد تسلمه للرئاسة.

وفي السياق، قال المحلل السياسي مهند عبد الحميد إن القرار الذي اتخذ في اللحظات الأخيرة مهم جداً في هذا التوقيت، لأن حكومة نتانياهو وليبرمان خرقت ملفات كثيرة، بما في ذلك تشريع البؤر الاستيطانية، ما يعني تدمير ما تبقى من دولة فلسطينية أو مقومات دولة فلسطينية.

وتابع: «القرار يضعف من اندفاع ترامب لأن هناك إجماعاً دولياً على القرار، سيجعل ترامب يفكر أن هناك نظاماً دولياً وليس فقط موقفاً أميركياً من الاستيطان، والأهم من ذلك أن القرار سيدعم ويساعد في طرح ملف الاستيطان على المحكمة الدولية، ويشجع المحكمة لفتح القضايا المطروحة من قبل الجانب الفلسطيني».

خشية

يخشى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قراراً جديداً في مجلس الأمن بترتيب أميركي يحدد معايير حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واستئناف المفاوضات. المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون الأمنية والسياسية بحث في اجتماع عقده الأحد الماضي إمكانية إقدام إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على الدفع بمشروع قرار آخر في مجلس الأمن «يحدد المعايير لاستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين لحل النزاع بين الطرفين».