تصدر الإرهاب سنة 2016 من أولها إلى آخرها وكانت غالبيتها بتوقيع تنظيم داعش الإرهابي الذي تلقى ضربات موجعة في الشرق الأوسط؛ لينتقم بتعزيز أذرعه في مناطق أخرى من العالم خصوصاً في أوروبا، حيث بدأ بتركيا بوابة العبور إلى القارة العجوز ثم بروكسل لتنتقل إلى آسيا بضرب لاهور وكويتا تم أميركا باستهداف فلوريدا ليعود مجددا إلى أوروبا من خلال حادثة الدهس في فرنسا ليختتم بحادثة دهس أخرى في برلين. في وقت لم يهدأ أبدا مسلسل القتل اليومي في العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال ونيجيريا.

احتفالات العام الجديد كسابقاتها لم تخلُ من المرارة، ومهما اجتهدنا في تجميلها وتحميلها ما لا تحتمل من إصرار على الحفاظ على نفس العادات والتقاليد المتوارثة في تبادل التهاني والأماني بحلول العام الجديد فذلك سلاح كل الشعوب في التمسك بخيط الأمل والمستقبل.

تصاعد الوتيرة

وتصاعدت وتيرة الأعمال الإرهابية هذا العام وهو ما أثار العديد من التساؤلات عن طرق مواجهة الإرهاب ومدى فاعليتها، خاصة مع ارتفاع ضحاياه في شتى أنحاء العالم وتزايد الخسائر يوما بعد يوم. وساعد في تطور ونمو ذلك الإرهاب التطور والنمو الذي شهدته التكنولوجيا الحديثة سواء في الأسلحة أو التصوير والميديا أو الاتصالات وهو ما ساهم في تناقص الشعور بالأمان في العالم.

وعلى الرغم من وجود الولايات المتحدة الأميركية على رأس التحالف الدولي لمواجهة تنظيم داعش إلا أن الإرهاب يأبى السقوط بسهولة، ويحاول أن يدمر كل ما حوله قبل سقوطه الأخير، ولم تتركز العمليات الإرهابية في المنطقة العربية المشتعلة فقط، بل تخطت الحدود وضربت أقوى دول العالم في عقر دارها، وأسفرت عن سقوط مئات الضحايا ومئات المصابين، وما يميز هذه السنة استهداف مطارات بلجيكا، حيث أدت إلى التساؤل عن أسباب التراخي في أمن المطارات ومدى قدرة المسلحين على اختراق الثغرات لتكريس جرائمهم الوحشية باستهداف الأبرياء. ويعتمد التنظيم على استراتيجية «الذئاب المنفردة» ليحاول اختراق جدارات أمن أعتى الأنظمة الأمنية في العالم، ويسقط ضحايا بالمئات في فترة قصيرة.

استهداف عابر للقارات

وشنَّ الإرهاب هجمات دموية في العديد من المدن العالمية، ففي الفترة الممتدة بين 12 يناير و19 مارس قتل في مدينة إسطنبول 18 شخصا بسبب الإرهاب، أما في أنقرة فقتل 62 شخصا في هجمات، وعاد الإرهاب ليدمي تركيا ففي 28 يونيو الماضي، وقع هجوم انتحاري في مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، نفذه ثلاثة أشخاص يحملون جنسيات أجنبية، وخلفت التفجيرات 47 قتيلًا و233 مصابا، ولم تتبن أي جهة هذه التفجيرات، لكن الحكومة التركية اتهمت تنظيم داعش بالوقوف وراء الهجوم.

وفي 22 مارس قتل في الهجمات التي شهدها مطار ومترو أنفاق ا بروكسل 34 شخصا على الأقل، وفي 25 مارس قُتل أكثر من 70 شخصا، وأصيب نحو 340 آخرين، في تفجير انتحاري استهدف منتزها في مدينة لاهور وفي العراق، قُتل 293 عراقياً في يوليو، في تفجير بسيارة مفخخة في حي الكرادة ببغداد، وتبنى تنظيم داعش هذا التفجير.

أميركا مجدداً

ولم تسلم أميركا من الإرهاب بالرغم من قوة استخباراتها، حيث قتل في يونيو 12 يونيو، 50 شخصا وجرح 53 آخرون خلال عملية احتجاز لرهائن في ملهى ليلي بمدينة أورلاندو بولاية فلوريدا الأميركية، ونفذ الاعتداء أميركي من أصول أفغانية، ولم تحدد دوافع الجاني، إن كانت إجرامية أو إرهابية، لكن تنظيم داعش تبنى هذه العملية. وبعد هذه العملية بيومين فقط كانت فرنسا ضحية إرهاب قُتل فيها 84 شخصا في حادث دهس بمدينة نيس الفرنسية، استهدف حشدا أثناء احتفال بالعيد القومي لفرنسا، وأوضحت تقارير أن منفذ العملية هو من أصل تونسي.

ولم تسلم المملكة العربية السعودية أيضاً من الإرهاب الغاشم، ولم يراع التنظيم الإرهابي حرمة شهر رمضان المبارك، ففي يوم 4 يوليو، قتل أربعة من رجال قوات الطوارئ الخاصة السعودية وأصيب خمسة آخرون في تفجير انتحاري بواسطة حزام ناسف، في أحد مواقف السيارات المستأجرة لمصلحة قوة الطوارئ الخاصة، بالقرب من المسجد النبوي الشريف، ثم جاء انفجار كويتا في باكستان والذي أدى إلى مقتل أكثر من 120 شخصاً أغلبهم من المحامين.

استعراض عضلات

وتركزت باقي الأشهر على استعراض عضلات من قبل مسلحي حركة طالبان في أفغانستان باستهداف السفارات في كابول وجماعة بوكوحرام بضرب الأبرياء في نيجيريا والكاميرون، ليأتي الشهر الأخير من السنة ليكون الأكثر دموية في العام، حيث بدأ في مصر بمقتل 25 شخصاً وإصابة 31 آخرين في اعتداء استهدف كنيسة قرب الكاتدرائية المرقسية في حي العباسية بوسط القاهرة، ثم انتقل الإرهاب إلى الأردن حيث قتل 10 من بينهم أربعة من رجال الشرطة وسائحة كندية في سلسلة هجمات مسلحة في مدينة الكرك الأردنية. وفتح مسلحون مجهولون النار على دوريتين للشرطة قبل الفرار إلى قلعة تاريخية ومهاجمة مركز للشرطة هناك، تم قتل 4 من رجال الأمن خلال اشتباكات مع المجموعة المسلحة.

ديسمبر دموي

وفي هذا السياق تصر سنة 2016 أن تكون أكثر تميُزا، وأكثر استفزازا، حيث إنه في لحظة حافلة بالتطورات، تركياً وإقليمياً، أردت رصاصات مباغتة للضابط مولود ميرت ألطنطاش السفير الروسي لدى أنقرة اندريه كارلوف، وهو يفتتح معرض صور «روسيا بعيون الأتراك»، متوعداً وداعياً إلى الانتقام لحلب، وجاء هذا الاغتيال عشية اجتماع موسكو حول سوريا وجاء ليعيد الغموض إلى العلاقات الروسية التركية التي كانت قد تحسنت بفضل جهود السفير المغتال.

أما في ألمانيا فاستغلت أحزاب اليمين والحركات الاحتجاجيـة، كحركة بيغـيـدا مثـلا، سياسة المستشارة أنجيلا ميركل المنفتحة على الهجرة مباشرة حملة ضد اللاجئين والمسلمين ليأتي حادث دهس شاحنة لسوق ببرلين يوم 19 ديسمبر الجاري مخلفا 12 قتيلاً و48 جريحا. ليعيد القبضة الحديدية بين ألمانيا واللاجئين وتجعل من هذا البلد بوابة الترحيل إلى بلدانهم الأصلية.

تحذير

حذرت وكالة «يوروبول» في تقريرها الصادر في الثاني من الشهر الجاري من أن تنظيم داعش يخطط لشن هجمات جديدة في أوروبا في 2017. ويعتقد الخبراء أن تكون فرنسا الهدف الأكثر احتمالاً، بالإضافة إلى بلجيكا وهولندا وبريطانيا وألمانيا. ويؤكد المكتب الأوروبي للشرطة أن خبراء في مكافحة الإرهاب يشعرون بالقلق أيضا من أن تصبح ليبيا بعد سوريا قاعدة خلفية جديدة لتنظيم داعش يشن انطلاقا منها هجمات داخل الاتحاد الأوروبي.