بدءاً من الثورة الصناعية، ومروراً بالطفرات الصناعية والاستهلاكية الهائلة التي شهدها القرن العشرون، بدأت قضية المناخ والتغير المناخي تتصدر قائمة الاهتمام؛ بداية كانت موضع جدال وخلاف، ثم أخيراً أضحت موضع اتفاق قاد إلى انعقاد قمة كيوتو عام 1992 والقمم التي تبعتها؛ ثم وصولاً إلى عام 2015 أضحت موضع إجماع دولي قاد إلى قمة باريس الشهيرة التي توّجت بتوقيع أغلب دول العالم على اتفاق تاريخي.
واستكمالاً لذلك، عقدت في عام 2016 قمة مهمة خاصة بالمناخ، كانت حدثاً من أبرز ما شهد العام المنصرم. عُقد مؤتمر مراكش خلال الفترة ما بين 7 و18 نوفمبر الماضي، ويسمى اختصاراً بـ«كوب 22»، باعتبار أنه النسخة 22 من مؤتمر الأطراف حسب اتفاقية الأمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي، وشاركت فيه 196 دولة، تم تمثيلها ما يقارب 30.000 مشارك من بينهم 8000 من المجتمع المدني و1500 صحافي.
وجاء انعقاد «كوب 22» تكملةً لقمة «كوب 21» التي أحرزت تقدماً مهماً، وتندرج في إطار الجهود المبذولة لبلورة مختلف المحاور المنصوص عليها في اتفاق باريس، الذي وقّعت عليه كل الوفود البالغ عددها 195، والمتعلق بخفض الاحترار العالمي إلى أقل من درجتين؛ فيما أهمية مراكش هنا أنها تمتلك رمزية تاريخية.
فقد سبق لها احتضان توقيع اتفاقية الجات سنة 1947 التي نتجت عنها منظمة التجارة العالمية، كما استضافت مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2001، مضافاً إلى ذلك أن اختيار المغرب لاستضافة الدورة 22 لمؤتمر الأطراف يأتي تكريساً للالتزامات التي قطعتها البلاد في مجال مكافحة تغير المناخ، واعترافاً من طرف المجتمع الدولي لما حققه المغرب من إنجاز.
وإلى جانب ذلك كله، فإن قمة المناخ «كوب 22»، التي كانت ملتقى لنحو 30 من رؤساء الدول الإفريقية، اعتنت بالتركيز على المفاوضات بشأن المناخ الإفريقي؛ إذ إن إفريقيا تعد من أكثر قارات العالم المهددة بالاحترار العالمي.
إنجازات
خلال القمة، اتخذت مختلف الدول تدابير مستعجلة بشأن العمل المناخي العالمي في مجالات متنوعة، في سعيها لتسريع تحقيق الأهداف السياسية والعملية لاتفاق باريس التاريخي حول التغير المناخي. ومن بين الإعلانات والمبادرات التي تم تبنيها خلال المؤتمر إيجاد تمويلات مالية تقدّر بملايين الدولارات دعماً للتكنولوجيا النظيفة، وبناء القدرات لمتابعة خطط التغير المناخي، ومبادرات أخرى لتعزيز الأمن المائي والغذائي في الدول النامية.
وبالموازاة مع ذلك، حددت الحكومات عام 2018 للانتهاء من وضع كتاب التزامات لتنزيل اتفاق باريس وضمان الثقة والتعاون والنجاح في تفعيل الاتفاق خلال العقود المقبلة. كما اتخذت الشركات والمستثمرون والحكومات المحلية التزامات جديدة بشأن التغير المناخي، تضاف إلى الآلاف من الالتزامات الأخرى التي تم تبنيها قبل مؤتمر باريس للمناخ العام الماضي.
على سبيل المثال، فإن «تحالف الحكومات المحلية» الذي تعهد بتخفيض الانبعاثات بـ80 في المئة بحلول 2020، أعلن أن عدد أعضائه وصل إلى 165 عضواً، فيما يبلغ مجموع الناتج المحلي الإجمالي لأعضاء هذا التحالف ما يقارب 26 تريليون دولار، ما يشكّل ثلث الاقتصاد العالمي، ويبلغ عدد سكانه نحو مليار نسمة موزعين على أميركا الشمالية وأوروبا وأميركا الجنوبية وإفريقيا وآسيا.
من جانبه، أصدر منتدى الهشاشة المناخية، وهو مجموعة تضم 40 دولة هشة، بياناً يدعو إلى الحد ما أمكن من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى ما يقارب 1.5 درجة، حيث عبروا عن التزامهم بوثيقة «رؤية مراكش» التي تعهدت من خلالها الدول الموقعة على العديد من الأهداف، منها إصدار 100 في المئة من الطاقة انطلاقاً من الموارد المتجددة بين 2030 و2050.
وأعلنت العديد من الدول مثل كندا وألمانيا والمكسيك والولايات المتحدة استراتيجيات مناخية طموحة في أفق 2050، تعكس الأهداف الطويلة الأمد لاتفاق باريس التي تروم تحقيق حياد مناخي وتخفيض الانبعاثات في النصف الثاني لهذا القرن. وخلال مؤتمر «كوب 22»، قدمت سبع دول نامية آخر التعديلات، وقبلت أن تخضع للمراقبة بشأن انخراطها في تعزيز اقتصاد منخفض الكربون.
خطوة
بعد 15 سنة من إصدار أول قرار بشأن النساء والنوع خلال مؤتمر «كوب 7» بمراكش، اتخذت الحكومات خطوة مهمة أخرى في اتجاه تحقيق الأهداف المرتبطة بالتوازن بين الجنسين ومقاربة النوع في تبني السياسات المناخية، وذلك من خلال الاتفاق على تمديد برنامج يضم المجتمع المدني والشركات، وغيرها الكثير من المبادرات الريادية.
