تصدرت الانتخابات الرئاسية التاريخية التي شهدتها الولايات المتحدة في الثامن من نوفمبر الماضي، والسجالات التي أثارها ترشح الملياردير النيويوركي القادم إلى السياسة من عالم الأعمال، المشهد الأميركي طوال عام 2016، وتحول الحدث الانتخابي إلى محور دارت في فلكه كافة التطورات السياسية والاقتصادية في أميركا وشغلت العالم أجمع.

صحيح أن مجلة «تايم» وصفت ترامب بأنه رئيس الولايات المتحدة المقسمة، في إشارة إلى ارتباط اسمه بصعود اليمين الأميركي وانتشار خطابات التحريض العنصري ومعاداة الأجانب والمهاجرين من أصول لاتينية وآسيوية وإفريقية، وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا، إلا أن العديد من العوامل الأخرى مسؤولة أيضاً عن الانقسامات العنصرية للمجتمع الأميركي وتصاعد الاحتقان العنصري والكراهية بين مكوناته الإثنية والعرقية والدينية.

فالكراهية بين البيض والسود في أميركا وتفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين من دول أميركا اللاتينية ومخاطر تعرض الولايات المتحدة لهجمات إرهابية لم تولد خلال العام المنصرم، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات اعتمدتها الإدارات الأميركية على مدى عقود.

وما شهدناه خلال 2016 هو وصول تلك الأزمات والظواهر السياسية إلى مرحلة متقدمة من التأزم عبرت عن نفسها، ربما لأول مرة في تاريخ الانتخابات الأميركية، من خلال التعبير المباشر عن الرغبة في تغيير النظام السياسي برمته والتشكيك في صدق التجربة الديمقراطية الأميركية ونزاهة النظام الانتخابي.

ولا يخفى أن اختيار ترامب شخصية عام 2016 من قبل مجلة «تايم»، هو إقرار بأن ترشحه للانتخابات الرئاسية وخوض المنافسة ضد المرشحين الجمهوريين، ولاحقاً مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، ولد ظاهرة سياسية جديدة في الولايات المتحدة وخطاباً سياسياً معادياً للطبقة السياسية التقليدية.

صعود اليمين

في الثامن من نوفمبر الماضي، أدلى الناخبون الأميركيون بأصواتهم للاختيار بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، وكان من أبرز معالمها الممهدة ولادة خطاب سياسي يميني متطرف حانق على المؤسسة الحزبية الجمهورية وتالياً على النظام السياسي برمته مثلته زعامة دونالد ترامب الذي خاض المنافسة ضد 16 مرشحاً جمهورياً.

وبدرجة أقل خطاب يساري جديد عبر عنه سيناتور فيرمونت بيرني ساندرز الذي حاول منافسة كلينتون على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي. وتبنى كل من ترامب وساندرز شعارات ضد النظام السياسي في واشنطن ببعديه الجمهوري والديمقراطي.

نجح ترامب في مواجهة خصومه الجمهوريين لكن ساندرز فشل بمواجهة المؤسسة الديمقراطية التي «تآمرت» لإبعاده حسب إيميلات مقرصنة من البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي، نشرها موقع «ويكليكس».

في أسباب هزيمة كلينتون

في الأيام الأخيرة من حملته الانتخابية وخلال جولاته في ولاية ميشيغن، معقل الحركة العمالية الأميركية التي لم تعط أصواتها لمرشح جمهوري للرئاسة منذ عقود، وجه ترامب انتقادات حادة لساندرز بسبب دعمه لكلينتون رغم المؤامرات التي تعرض لها من قبل قيادة الحزب الديمقراطي، وكشفتها الرسائل الإلكترونية التي تتهم واشنطن الاستخبارات الروسية بالوقوف وراءها، من أجل التدخل في الشأن الانتخابي الأميركي والتأثير في نتائج الانتخابات لصالح ترامب.

في تلك الفترة الحرجة من الحملة الانتخابية التي أثقلتها الفضائح والاتهامات بالتحرش الجنسي، اختار ترامب الرد على الهجوم الممنهج الذي تعرض له، من تسريب صحيفة «نيويورك تايمز» وثيقة تهربه من دفع الضرائب إلى نشر «واشنطن بوست» شريط إساءاته للنساء ومغامرات التحرش، باستراتيجية اقتحام معاقل الديمقراطيين وقلاعهم الانتخابية المحصنة.

فكان اختيار ميتشيغن التي سبق وفاجأت حملة كلينتون في الانتخابات التمهيدية وقلبت كل التوقعات واستطلاعات الرأي وصوت الديمقراطيون فيها ضد مرشحة المؤسسة الحزبية ولصالح بيرني ساندرز المرشح الديمقراطي الاشتراكي القادم، كما ترامب، من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية.

عام التحول الأميركي

تتماهى الظاهرة الترامبية وصعود شعبية اليمين الأميركي مع ظواهر مشابهة شهدتها أوروبا، وأسفرت عن فوز زعماء شعبويين من أحزاب اليمين المتطرف المعادي للأجانب والمهاجرين إلى السلطة في العواصم الأوروبية.

فالتحول التاريخي الذي تشهده الحياة السياسية الأميركية هو بشكل أو بآخر نتيجة تغييرات هائلة شهدها العالم في السنوات القليلة الماضية، إضافة طبعاً إلى التغييرات العميقة التي شهدتها الولايات المتحدة نفسها.

ومن المفيد أيضاً عند قراءة الظاهرة الترامبية رصد العلاقة بينها وبين زعامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وظاهرة البوتينية بشكل عام التي تحولت إلى ظاهرة عالمية لها رموزها في العديد من دول العالم. ويأتي في هذا السياق بروز الدور الروسي في الحياة السياسية الأميركية الداخلية.

شعارات

بموازاة ظاهرة ترامب «الثورية» التي نمت واتسعت على يمين الحزب الجمهوري شكل خطاب ساندرز المدافع عن حقوق العمال والداعي إلى تعليم جامعي وتأمين صحي مجاني لجميع الأميركيين، حالة ثورية على يسار الحزب الديمقراطي.

ورغم تبني المرشحة الديمقراطية لبنود أساسية من أجندة كل من ساندرز وأوباما، إلا أنها بقيت بعيدة عن قلب الشباب المطالب بالتغيير، والأرجح أن كثيراً من هؤلاء صوت لصالح مرشح اليمين الأميركي وشعاراته الثورية الداعية لإسقاط نظام الفساد والمصالح الذي يرتبط عضوياً بمؤسستي الحزبين الديمقراطي والجمهوري.