بعد قرار البرلمان الأوروبي تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لفترة مؤقتة، بسبب ما سماه «حملة القمع غير المتكافئة» الجارية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو الماضي، تشهد بوصلة السياسة الخارجية لأنقرة إعادة توجيه من جديد من أجل إعادة تعريف حلفائها وعلاقتها بهم.

حيث إن مصالحها تملي عليها توجيه دفة سياساتها الخارجية نحو منظمة التعاون السياسي والاقتصادي «شنغهاي» بعدما باتت العلاقة مع الاتحاد الأوروبي مهددة أكثر من أي وقت مضى، ومن المتوقع أن تتداعى مع تصاعد التوتر الدبلوماسي بين الجانبين ما يعرض اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا للخطر، كما سيكون عقبة في سبيل التوصل إلى تسوية في قبرص، حيث انهارت المفاوضات.

واستغلت تركيا اللاجئين السوريين بشكل سياسي وجعلت من أزمتهم ورقة سياسية للتفاوض حولها مع أوروبا والحصول على مكاسب خاصة. كما أجبرت الاتحاد الأوروبي على الانصياع لبعض شروطها، في مرحلة يبدو فيها الاتحاد أمام أزمات سياسية اجتماعية وأمنية غير اعتيادية.

وفي ظل انتقاد تركيا للموقف الأوروبي «الضعيف» من محاولة الانقلاب، وتذمّر بروكسل من قانون «مكافحة الإرهاب» التركي وانتقاد الممارسات «القمعية» بحق المعارضين، وخاصةً الصحافيين، شهدت العلاقات التركية ــ الأوروبية توتراً كبيراً في الأسابيع الأخيرة كاد أن يؤدي إلى انهيار الاتفاق المتعلق بملف «المهاجرين»، والذي بات ورقة حساسة (رابحة أو خاسرة) في يد الأحزاب السياسية المتشددة في دول الاتحاد الأوروبي.

اتفاق

وتوصلت تركيا ودول الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي إلى اتفاق نهائي يقضي بقيام أنقرة بأخذ كل الخطوات اللازمة من أجل الحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، في مقابل التزام الاتحاد بتزويدها بالأموال لمساعدة اللاجئين القاطنين فيها، وبإلغاء تأشيرات الدخول للأتراك إلى أوروبا، وبإعادة إطلاق عجلة المفاوضات حول انضمامها للاتحاد.

 وبدأت أولى العوائق التي وضعها الاتحاد الأوروبي شرطاً لقبول دخول الأتراك لأوروبا بدون تأشيرة، وفرض الاتحاد الأوروبي 72 معياراً لإكمال الاتفاق، وبالفعل نفذت تركيا 67 معياراً، إلا أن المفاوضات، توقفت بسبب أوامر من الاتحاد الأوروبي بتغيير قوانين محاربة تركيا للإرهاب.

ورفضت أنقرة تغيير تشريعات مكافحة الإرهاب أحد الشروط الجوهرية كي يحصل الأتراك على إعفاء من تأشيرة «شينغن»، والحجة التي يسوقها هي الخشية من إضعاف سلطات بلاده الأمنية على مواجهة هذه الظاهرة، وبالتالي منع وقوع هجمات، الأمر الذي سيؤثر سلباً لا على تركيا فحسب بل على أوروبا.

لكن أوروبا على يقين أن ما ردده الساسة الأتراك غير صحيح، فالتشريعات بشكلها الحالي تتيح للسلطات محاصرة الصحافيين والكتاب وجميع مناوئيه.

خطوة

في المقابل، بعد مرور 11 عاماً من تقديم أنقرة لطلب الانضمام للتكتل الأوروبي، لم يقدم الاتحاد أي خطوة عملية لإثبات حسن النوايا علماً أنه تم الاتفاق بين الطرفين على رفع تأشيرة الدخول أمام الأتراك إلى أوروبا في ظل أزمة اللاجئين التي كشفت أهمية أنقرة على الأقل جغرافيا بالنسبة لأوروبا.

ولا بد أيضاً من التذكير بتصريح رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون الذي قال فيه «إن بقيت تركيا بنفس الوتيرة منذ تقديمها طلب الانضمام عام 1981 فإن انضمامها للاتحاد سيكون عام 3000».

وجاء توقيت قرار البرلمان الألماني، الذي صدر مطلع الشهر الجاري بوصف مذابح الأرمن على يد الدولة العثمانية 1915 بأنها جريمة «إبادة جماعية» ليعرقل التقدم الذي حصل في اتفاق رفع التأشيرة ووعود تسريع مفاوضات الانضمام لعلمهم بحساسية المسألة لدى تركيا.

وبعد تصويت البرلمان الأوروبي بعرقلة انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي بات خيار الانضمام لمنظمة شنغهاي بالنسبة لتركيا مسألة وقت لا أكثر. ويعتقد مراقبون أن انضمام تركيا لمنظمة شنغهاي باتت مسألة استراتيجية بالنسبة لتركيا لمنحها المزيد من الاستقلالية عن سياسات الناتو، ولتعويض عدم قبولها في الاتحاد الأوروبي.

وتضم المنظمة ست دول دائمة العضوية هي روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، وعضو غير مؤسس هي دولة أوزبكستان وخمس دول تملك صفة مراقب وتحضر الاجتماعات السنوية هي الهند وإيران ومنغوليا وباكستان وأفغانستان.

تهدف المنظمة إلى مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف والحركات الانفصالية والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات بالإضافة إلى التعاون في السياسة والتجارة والاقتصاد والعلوم، بينما يرى الكثير من المحللين أن هدف المنظمة الضمني يتمحور في تشكيل حلف عسكري لمواجهة حلف الشمال الأطلسي «الناتو».

تقارب

يؤكد محللون أن التقارب التركي الروسي تحت سقف شنغهاي قد يقود إلى تعميق العلاقة الاقتصادية بين البلدين، وإزالة التباين في المصالح الاستراتيجية بينهما بدءاً من سوريا والمسألة الأوكرانية والاعتراف بضم القرم.