أثار تعيين الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، ستيفن بانون، رمز التطرف العنصري في أميركا، أو ما يعرف بـ«اليمين الأبيض»، مسؤولاً عن السياسات الاستراتيجية للإدارة الجديدة وأكبر المستشارين في البيت الأبيض، انتقادات منظمات حقوق الإنسان، وقلق الأقليات الأميركية من مسلمين ويهود وأفارقة ولاتينيين، بسبب ما يعرف عن مدير موقع «بريتبارت نيوز» من مواقف معادية للمهاجرين.
وقال جوناثان غرينبلات، من رابطة مكافحة التشهير الحقوقية: «إنه يوم حزين أن يرأس رجل كان يدير موقعاً إلكترونياً يؤيد عقيدة تفوّق ذوي البشرة البيضاء ومعاداة السامية والمناداة بالعنصرية ليتولى منصب كبير موظفي البيت الأبيض».
صحيح أن مهمة بانون في الإدارة الجديدة هي مهمة رمزية، ويقتصر دوره على تقديم الاستشارة للرئيس، ولا يمتلك صلاحيات تنفيذية، إلا أن مجرد وجوده في البيت الأبيض يستفز أيضاً المؤسسة السياسية الأميركية التقليدية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، التي يعتبرها الإعلامي والمتمول الأميركي الأبيض المتحالف مع مجموعة «كوك كلوكس كلان» العنصرية المتطرفة عدوه الأول والمسؤولة عن وصول رئيس أسود إلى البيت الأبيض.
طبقة عاملة
المفارقة أن فوز اليمين بالانتخابات الرئاسية الأميركية حققته الطبقة العاملة المحسوبة على اليسار والحزب الديمقراطي، فأصوات العمال من الأميركيين البيض في ولايات ميشيغن ويسكنسن وبنسلفانيا اختارت المرشح الجمهوري ثأراً من مرشحة الديمقراطيين هيلاري كلينتون التي لم تولِ حملتها الانتخابية الأهمية الكافية لقواعدها الشعبية في تلك الولايات الديمقراطية منذ عقود، فيما ركز ترامب حملته الانتخابية في تلك الولايات قبل أيام قليلة من يوم الاقتراع.
أضف إلى ذلك أن الانقسامات التي خلفتها «المؤامرة» التي حيكت داخل مؤسسة الحزب الديمقراطي خلال الانتخابات التمهيدية لاستبعاد المرشح اليساري بيرني ساندرز، وكشفتها الإيميلات المقرصنة من الحزب الديمقراطي التي نشرها موقع ويكليكس، عبّرت عن نفسها بوضوح يوم الاقتراع، حيث اختار أنصار ساندرز من الشباب والنقابات العمالية التصويت لمصلحة ترامب لمواقفه المعادية لـ«وول ستريت» ومجموعات الضغط المالي التي تدعم كلينتون.
التقاء المصالح
بمعنى آخر، فإن الانتصار الانتخابي المفاجئ للملياردير النيويوركي ما كان له أن يتحقق لولا التقاء مصالح اليمين الأميركي المتطرف مع مصالح اليسار الأميركي المتطرف، دون أن نغفل الصبغة العنصرية التي غلفت هذا التحالف الهجين، وكذلك النزعة إلى الثورة على الاستبلشمنت والنظام السياسي الأميركي المحكوم بمجموعات الضغط واللوبيات القوية التي لا تتفق مصالحها بالضرورة مع مصالح الشعب الأميركي، وخصوصاً الطبقة العاملة المنسية في الأرياف الأميركية وفي الأحياء الفقيرة في المدن الأميركية.
صدمة سياسية
على أي حال تستدعي الصدمة السياسية الكبرى التي أحدثتها ظاهرة ترامب في المجتمع الأميركي وقفة مراجعة وإعادة نظر في اصطفافات القوى السياسية وفي الاعتبارات التي تحدد طبيعة هذه الاصطفافات. هل هي فعلاً الاعتبارات العنصرية التي يبني عليها اليمين خطابه السياسي، أم أنها الاعتبارات الاقتصادية التي يقرأ اليسار المشهد السياسي من خلالها.
أسئلة متروك الجواب عنها للأيام والأسابيع القليلة المقبلة، بعد إتمام الرئيس المنتخب عملية تشكيل فريق إدارته، واتضاح ما إذا كانت بوصلة السياسة الأميركية ستتجه نحو اليمين أو نحو اليسار.
ضغوط
كشف تحقيق استقصائي طويل لمجلة «فانيتي فير» أن ستيفن بانون مارس ضغوطاً شديدة على صحفيي الموقع الإخباري، لفرض خط تحريري داعم للمرشح الجمهوري السابق دونالد ترامب، وهو ما أثار حفيظتهم.
وحسب مجلة «ذي نيو ريبابلك»، فإن موقع برايبارت أدى الدور نفسه الذي قامت به مجلة «ناشيونال ريفيو» لفوز السيناتور الجمهوري باري غولدوتر والرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، وما قامت به قناة فوكس نيوز لصعود الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن.