تنذر التظاهرات الشعبية الحاشدة التي شهدتها واشنطن ونيويورك وغيرها من المدن الأميركية الكبرى احتجاجاً على إعلان فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة، بأنّ إقامة سيّد البيت الأبيض الجديد لن تكون مريحة وأنّ الطريق لن تكون مزروعة بالورود بل بآلاف المتظاهرين الذين لا يعترفون بشرعية انتخاب دونالد ترامب رئيساً.
لاشك أنّ نزول آلاف المتظاهرين إلى شوارع كبرى وبدء تنظيم الاحتجاجات أمام أسوار البيت الأبيض في العاصمة واشنطن، أصبح أمراً واقعاً ورقماً صعباً في المعادلة السياسية لا يمكن للرئيس المنتخب تجاهله والسير بأجندته الانتخابية نفسها وخطة المئة يوم التي وعد خلال حملته الانتخابية المباشرة بتنفيذها فور تسلمه مقاليد الحكم رسمياً.
سيفرض مبدأ الواقعية السياسية على الأرجح نفسه بقوة على مواقف العهد الرئاسي الجديد، ليظهر وجهاً آخر لدونالد ترامب عُرف عنه خلال حملاته الانتخابية عندما كان خطاب التحريض العنصري ضد المهاجرين اللاتينيين والمسلمين واللعب على مخاوف الأميركيين وغضبهم من سياسات إدارة باراك أوباما أمراً مجدياً ووسيلة ناجعة لكسب أصوات الناخبين البيض.
ووفق الخطة المعلنة للرئيس المنتخب والتعهدات التي ألزم بها نفسه أمام الناخبين، فإنه فور وصوله إلى البيت الأبيض سيعمد إلى إلغاء خطة التأمين الصحي المعروفة باسم «أوباما كير» ويباشر بترحيل ملايين المهاجرين اللاتينيين المقيمين في الولايات المتحدة بطريقة غير شرعية، ويبدأ ببناء الجدار على الحدود مع المكسيك لمنع دخول المهاجرين غير الشرعيين والمجرمين وتجار المخدرات.
ويعطي الدستور الأميركي للرئيس الجديد حق اتخاذ قرارات تنفيذية فورية تلغي القرارات والمراسيم التنفيذية لأوباما دون العودة إلى الكونغرس، إذ بإمكان ترامب نظرياً إلغاء «أوباما كير»، بمرسوم رئاسي، فيما من غير الواضح ما هو البديل الذي سيقدمه لنحو 20 مليون أميركي يستفيدون من البرنامج الصحي الحكومي.
الأمر الذي يوجب عليه وقبل اتخاذ مثل هذا القرار الأخذ بعين الاعتبار رد الفعل الشعبي المتوقع في ظل المعادلة السياسية الأميركية الجديدة، إذ أصبح النزول إلى الشارع آخر الخيارات المتاحة لمؤيدي الحزب الديمقراطي، في ظل سيطرة الجمهوريين على كل مفاصل القرار السياسي من البيت الأبيض إلى الكونغرس.
ولعل الأمر يصح أيضاً في مسألة الهجرة غير الشرعية والجدار على حدود المكسيك، إذ إنّ على الرئيس الجديد توقّع رد فعل ملايين الأميركيين من أصول لاتينية على أي إجراءات تنفيذية بشان ترحيل المهاجرين، وربما عليه استخلاص العبر من التظاهرات الحاشدة التي شهدتها ولاية كاليفورنيا، وتوقع ردود الفعل وحجم الاحتجاجات المناظرة فيما لو باشر في عملية الترحيل.
تحول صعوبات ميدانية وسياسية كبيرة دون تنفيذ ترامب وعوده الانتخابية ليس من السهل عليه تجاوزها، والأرجح أنّ مصيرها سيكون مثل وعود وتعهدات باراك أوباما ومن سبقه من الرؤساء الأميركيين.