قد يكون من الصعب على البعض تقبل واقع فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، لكن لا بد أن يتخلل لحظات الاستيعاب استعراض مراحل حياة رجل لم يسبق أن ترشح لأي منصب يُنال بالانتخاب، وقد حفر اسمه على امتداد البلاد كونه مليارديراً مشعاً، متحولاً إلى نجم تلفزيون الواقع، وأسس لحملته بالتعهد ببناء جدار فاصل مع الحدود الجنوبية، على أن تدفع المكسيك التكاليف، واقترح عقب هجمات باريس، وسان برناردينو فرض حظر مؤقت على المسلمين الوافدين لأميركا، وواجه خلال الأسابيع الختامية للحملة ادعاءات عشرات النساء بالتحرش، وقال وفعل آلاف الأشياء الضامنة للهزيمة الحتمية لأي مرشح آخر.

ومع ذلك ها هو ترامب ينبري اليوم، ليبرز باعتباره الرجل الأكثر قوة في الولايات المتحدة، والعالم أجمع ربما للسنوات الأربع المقبلة، رغم أنه لم يألُ جهداً للإقدام على كل ما يتصف بالكارثية ومشتقاتها، بدءاً بإعادة رسم الخريطة السياسة جوهرياً، وتشظية أسس الحزب الجمهوري تقسيمياً، بما يثبت أن آليات الاستطلاع السياسي والصناعات الاستشارية تحتاج إلى إعادة تقييم بالعمق.

ويعكس فوز ترامب فوق كل شيء أن طائفة الفرضيات، التي كونتها قواعد الجماهير عبر الزمن في ما يتعلق بهوية أميركا كونها بلداً وما تريده من سياسيها، ومن نظامها السياسي مغلوطة برمتها.

وتر التهميش

وقد ارتكزت خطوة ترشح مرشح الجمهوريين على الفكرة القائلة إن جميع ما وجد من سياسيين وصحافيين ومؤسسات يكذبون، بما يخدم مصالحهم الخاصة. وعزف باختصار على وتر التهميش المتأصل ومشاعر القلق التي تضرب البلاد بأسرها، مروراً بالعولمة والهجرة واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، ورفض الإصلاح السياسي بمختلف أشكاله. وساد الشعور بأن الأوضاع كانت من الفساد، بحيث أصبح التغيير الجذري هو الخيار الوحيد المتبقي.

ويسوغ هذا المنطق لواقع يستحق التأمل، وقد أشار مسح اقتراع الناخبين الوطني إلى أن نسبة الناخبين القائلين بأهلية ترامب للرئاسة لم تتخط 38 في المئة، ومع ذلك فاز الرجل بالمقعد الرئاسي.

تغيير النظام

ولا يمكن تفسير التفكك إلا برغبة في تغيير النظام برمته، وليس المقصود هنا النظام السياسي وحسب، بل كل مؤسسات الدولة والنخبة، التي ادعت يوماً بأنها أكثر العارفين، بما في ذلك الإعلام نفسه.

وبناء عليه فإن وصول ترامب على الرغم من جدليته أمر يمكن فهمه وتحليله، لكن ما قد يفعله الرجل بوصفه الرئيس يشكل سؤالاً تصعب الإجابة عنه. وأفضل ما يقال عن مواقف الملياردير الأميركي السياسية إنها غامضة المعالم، فضفاضة التحديد، يبرز من بينها موقفه الثابت الحمائي المتشكك بالصفقات التجارية، خلافاً لموقفه المتكلف من الهجرة، أما خططه المتعلقة بالضرائب والتعليم والطاقة تميل لكونها أقرب إلى عرض الأفكار من المقترحات السياسية المحددة.

تيار معاكس

كيف تتلخص علاقته مع الأغلبية الجمهورية المسيطرة على الكونغرس؟ لقد سار ترامب في تيار معاكس للمؤسسة الجمهورية، في كل من الحملات التمهيدية والانتخابية، كما عيّرها بصم الأذن عن التغييرات، التي تحدث للحزب والبلاد على السواء، لكن ماذا الآن؟ ها هو ذا ترامب يتبوأ مركز السلطة، ويحتاج قادة الجمهوريين أن يأتوا إليه، لكن هل سيكون مستعداً للقبول بهم في الحزب الجديد، الذي ابتدعه؟

وماذا عن الحزب الديمقراطي؟ وقد بدأت هيلاري كلينتون حملة 2016، بوصفها المرشحة الأقوى والأوفر حظاً في تاريخ السياسة الحديث. وقد انسكبت فوقها هالة القوة بناء على واقعين اثنين، يرتكز أولهما على كم القلق في الأوساط الليبرالية، ومحدودية المقاعد البديلة في الحزب الديمقراطي.

ولا يزال يتبدى مع ذلك كم من التساؤلات التي خلقها فوز ترامب، على نحو يزعج مجرد التفكير فيه.

فما الذي يعنيه فوز ترامب للأسواق العالمية، التي شهدت تراجعات بمجرد بروز ملامح الرئاسة؟ وما الذي يعنيه الفوز بالنسبة لعلاقات الولايات المتحدة بالدول الأجنبية؟ أو بالنسبة للمشاركة في الصراعات الخارجية؟

هناك يقين من أمر واحد، مفاده أن وصول ترامب للرئاسة يشهد على التطور السياسي الأوحد الأكثر إذهالاً. والأمر لم ينته بعد، وهو يوازي إسقاط قنبلة أو عشرات القنابل في بركة صغيرة، حيث الأمواج العاتية تظهر بوضوح، وتخلف كذلك آلاف التموجات الأخرى، التي قد لا نراها اليوم، أو لم تكن قد حلت في الوجود بعد. إنها الفاجعة بأبسط، وأسطع معانيها.