سيحتاج الذين عارضوا خطاب دونالد ترامب، الرئيس الأميركي المنتخب، إلى بعض الوقت لاستيعاب الصدمة، التي أحدثها فوزه الكاسح في الانتخابات الرئاسية، لكن السر يكمن في معاداة «الاستبلشمنت»، والاستعانة باليساريين البيض، فجميع هؤلاء، وهم كثر في أميركا والعالم كانوا على ثقة تامة بأن رجل الأعمال وتاجر العقارات الدخيل على السياسة لم يكن جدياً في إعلان ترشحه لخوض السباق الرئاسي، لذلك هم أيضاً لم يأخذوا الأمر على محمل الجد، واعتبروا أن ترشح ترامب مجرد مغامرة جديدة من مغامرات الملياردير النيويوركي أو استعراض تلفزيوني آخر يرضي شهوته للشهرة.

تراجع

اختار ترامب خطاباً انتخابياً شعبوياً يستثير مشاعر ملايين الأميركيين من أبناء الطبقة الوسطى والعمال وسكان الأرياف، الذين تراجع مستوى معيشتهم، بسبب الأزمة الاقتصادية، التي ضربت الولايات المتحدة، والعالم في الفترة الرئاسية الثانية لجورج بوش، لكن استهداف الخطاب الترامبي للمهاجرين غير الشرعيين من دول أميركا اللاتينية وموقفه المعارض من سياسات باراك أوباما الرئيس الأسود، الذي وصل إلى البيت الأبيض رغم حملات التشكيك بشهادة ميلاده الأميركية وبمعتقداته الدينية المسيحية، وكذلك دعوته لمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، كل ذلك جعل المرشح الجمهوري محل ترحيب وتأييد كبير من قبل مجموعات اليمين الأميركي العنصري المعادي لإدارة الرئيس الأسود وللمهاجرين «اللاتينو»، والأقليات الأخرى، التي تنامى دورها وحجمها على حساب الأكثرية من الأميركيين البيض.

خطاب نقدي

اختار ترامب لمواجهة منافسيه من المرشحين الجمهوريين خطاباً نقدياً ضد المؤسسة الحزبية، التي كان تفضل مرشحين آخرين لتمثيل الحزب في السباق الرئاسي، خطاباً يتهم الطبقة السياسية الحاكمة في واشنطن بالفساد والانصياع لرغبة اللوبيات والبنوك ومجموعات المصالح الخاصة. وخاض المواجهة مع الجمهوريين تحت هذا الشعار مستعيناً بالشارع وبالقواعد الشعبية المتشددة. ورد على محاولات استبعاد ترشيحه من خلال أنظمة الحزب الانتخابية باعتبار أن هذه الأنظمة فاسدة، ويجب تغييرها وإدخال دماء جديدة لقيادة الحزب المتواطئة مع إدارة أوباما والمؤسسات الحاكمة في واشنطن أو ما يعرف بـ «الاستبلشمنت».

معركة

نجحت استراتيجية ترامب بتهديد القيادة الجمهورية باستخدام أنصاره في الحرب الأهلية، التي شهدها الحزب حول ترشيحه، وتمكن من إزاحة 16 منافساً لينال ترشيح الحزب رسمياً.

وخلال المعركة الانتخابية مع هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي استعان ترامب بالاستراتيجية نفسها ورفع شعار محاربة فساد «الاستبلشمنت»، معتبراً أن كلينتون إحدى أبرز رموز هذا الفساد وحلقة الوصل بين مجموعات المصالح الدولية والمؤسسة السياسية الأميركية التقليدية.

واستعان ترامب بالخطاب اليساري لبيرني ساندرز المنافس السابق لكلينتون على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي، الذي كان أيضاً يركز انتقاداته على علاقة كلينتون بـ «وول ستريت»، وأصحاب البنوك والممولين. والأرجح أن ذلك مكنه من اختراق قواعد الحزب الديمقراطي في ولايات ميشيغن وويسكنس واوهايو وإقناع العمال من الأميركيين البيض اليساريين بالانضمام إلى حركته اليمينية طالما أن العداء مشترك للوبيات والممولين والنظام السياسي الحاكم في واشنطن.