«الشعوبية الفظة» التي حذّر منها الرئيس الأميركي باراك أوباما في آخر خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مولوداً أميركياً خالصاً، فقد سبقتها إلى ذلك أوروبا التي تحسس قادتها السياسيون مقاعدهم فور إعلان صناديق الانتخابات الأميركية عن تمكن دونالد ترامب من سحق المنطق، وإسقاط مرشحته التي أجمع العالم على أهليتها، عبر خطاب خبرته القارة العجوز ولسعتها نيرانه، عندما انتصر الخطاب الانكفائي في إقناع البريطانيين بالتصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وبحسب رؤية الباحث الأكاديمي بول بيلار، التي نشرها في مقال تحليلي بمجلة ناشونال إنترست الأميركية، شن ترامب حملة تُعد الأكثر عنصرية في سجل انتخابات الرئاسة الأميركية منذ ترشح السياسي جورج والاس في ستينيات القرن الماضي، مقراً بأن العنصرية ليست جديدة على الانتخابات الأميركية، غير أنه قال إنها كانت تتخذ أشكالاً أكثر دهاءً في الحملات الانتخابية الأخرى خلال نصف القرن الماضي؛ لتجنب الدعوات الصارخة.
ويقول عدد من الباحثين إن أوروبا مليئة بنسخ «الترامبية»، ويذكرون بأسماء مثل وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون المعروف بشبهه شكلاً ومضموناً للرئيس الأميركي المنتخب، إذ إنه استخدم طيلة فترة وجوده عمدة لمدينة لندن خطاباً غوغائياً تخويفياً من الآخر، وساند خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مروراً بفراوكه بيتري رئيسة حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يشكّل نموه المتصاعد صدمة في ذلكم البلد، الذي شرع أبوابه إلى اللاجئين السوريين.
وفي المجر، يمثل زعيم الحزب اليميني الشعبوي فيكتور أوربان حجر الزاوية في التأثير السياسي بخطاب انتهج «الترامبية»، فمنذ الانتخابات البرلمانية في 2010 يحكم أوربان بصفته رئيس وزراء بأغلبية ساحقة، وهو يستغل سلطته لتغيير معالم الدولة، إذ تمكن من فرض إجراءات، أفرغت المؤسسات الديمقراطية، وحجم حرية الصحافة. وسيطرت الميول اليمينية المتطرفة على بولندا، بعد أن كشف حزب «القانون والإنصاف» بزعامة وزير العدل السابق ليش كاشينسكي يمينيته.
أما فرنسا فتعد الجبهة الوطنية التي أسسها جان ماري لوبن في 1972، وترأسها حالياً ابنته مارين لوبن، أقوى حزب سياسي في البلاد، ويتوقع لها، أن تنافس في الانتخابات الرئاسية، وبرغم أنها تحاول في الفترة الأخيرة البعد عن الخطاب التعبوي المتطرف، لكنها تظل وفية لمبادئها العنصرية.
ونجد بلداناً أوروبية مثل هولندا، الواقعة تحت خطاب حزب الحرية بزعامة فون غيرت فيلدرز، والنمسا التي فاز فيها زعيم حزب «الحرية» اليميني المتطرف نوربرت هوفر بالرئاسة، أصبحت بلا شك بلداناً تتحكم فيها «الشعوبية الفظة» التي لا تنجو منها إيطاليا واليونان كذلك.