سقط دونالد ترامب في امتحان المناظرة التلفزيونية الأولى مع منافسته هيلاري كلينتون، إن لم يقل إنّه تلقّى ضربة قاضية كلّفته الكثير. ربما اختلط الأمر على الملياردير الدخيل على عوالم السياسة الأميركية، لا يدري أي الأدوار يلعب عندما يتواجد وحيداً على منصة المناظرة أمام امرأة هي أولى من صعدن منصّة الترشّح على مر التاريخ الأميركي.
«لكل مقام مقال» وآن الأوان لتتقن لعب دور الرئيس على المنصة وأن تتحلّى بمواصفات المقام والتخلّى عن دور المهرج، ولا بأس في التصرّف كالرجال في حضرة النساء، هكذا نصحه مستشاروه، إلّا أنّ ترامب لم يلتزم بنصائح رجاله سوى دقائق معدودات، بعدها لم يفهم فريق مستشاريه ما الذي يجري، خرج كعادته عن النص الذي أنفق عليه الكثير من الوقت وجهد التدرّب ساعات طوال، تحوّل المرشّح الجمهوري إلى تلميذ مشاغب في مدرسة ابتدائية يقف مرتبكاً أمام مديرته.
تجربة طفولة
لم تفعل مرشّحة الديمقراطيين هيلاري كلينتون أكثر مما قالته للصحافيين عند سؤالها عن الطريقة التي ستتبع في مواجهة فظاظة خطاب ترامب واحتمال إثارته مسائل شخصية، لجأت كما وعدت إلى تجربتها حين كانت صغيرة مع الصبية الأشقياء في المدرسة الابتدائية.
ولعل الابتسامات والضحكات المختارة وبعناية والتي رسمتها كلينتون على محيّاها ردّاً على مداخلات ترامب، حدّدت هويّة الفائز في المناظرة وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أظهرت تفوّقاً كاسحاً للمرشّحة الديمقراطية على منافسها. لقد باغتت كلينتون ترامب منذ البداية، فاجأته بلغتها المباشرة ومبادرتها إلى كسر جدار الكلفة في الخطاب بتسميته: دونالد، فلم يجد رداً سوى مناداتها: سعادة الوزيرة، هجمات متقنة ومتوالية خلّلت بها هيلاري دفاعات ترامب وشلّت قدرته على الهجوم.
سيطرة مرشّحة
بسطت كلينتون سيطرتها على المناظرة بالتفوّق على منافسها في كل المحاور تقريباً، من الاقتصاد إلى التعتيم على بياناته الضريبية، وبينهما عنصريته على خلفية تهم كشفتها لأول مرّة تقول إنّ محكمة أميركية وجهتها ضد ترامب على خلفية دعوى قضائية من عائلة من أصول إفريقية رفض تأجيرها شقة في أحد أبراجه في نيويورك في سبعينات القرن الماضي، إلى إساءاته بحق النساء والمهاجرين اللاتينيين وتحريضه العدائي ضد المسلمين، وعلاقته المشبوهة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومخاطر ذلك على الأمن القومي الأميركي أو خططه السرية غير الموجودة للقضاء على تنظيم داعش.
دفاع وارتباك
في المقابل، اعتمد ترامب استراتيجية دفاعية مربكة جعلته يفقد القدرة على الهجوم المركز، وتناول ملفات تعتبر من نقاط ضعف حملة كلينتون، كما لم يقدم أي جديد على خطابه المكرر ولم يقدم خطط مفصلة عن العناوين العامة للحملة الانتخابية. لم ينجح ترامب في إثارة ملف الإيميلات واستخدام كلينتون بريدها الإلكتروني الخاص خلال ممارسة مهامها في وزارة الخارجية أو قضية الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، وعندما حاول التصويب على ما أثير حول صحة كلينتون وتكرار قوله إن ليس لديها قوة التحمل الكافية للقيام بمسؤوليات الرئيس، ذكرته وزيرة الخارجية السابقة إلى زياراتها 112 دولة حول العالم والاتفاقيات الدولية التي وقعتها وجلسة الاستماع الشهيرة أمام الكونغرس التي استمرت 11 ساعة. وهدفت الاستراتيجية الهجومية لكلينتون إلى إيصال رسالة أساسية لجمهور الناخبين الأميركيين بأنّ رجل الأعمال والإعلام الدخيل على الحياة السياسية والحزبية الأميركية لا يملك المواصفات التي تؤهله لقيادة الولايات المتحدة وتبوء منصب الرئاسة.
فروق
لعل ما بعد المناظرة التلفزيونية الأولى بين كلينتون وترامب ليس كما قبلها، إذ إنّ الفوز التلفزيوني لوزيرة الخارجية السابقة على نجم تلفزيون الواقع سينعكس تقدماً أكبر لكلينتون في الأيام والأسابيع المقبلة. إنّ الأرجح أنّ جدار ترامب قد سقط وظهر الفرق الواضح بين السياسي ورجل الأعمال. وأظهرت المناظرة بوضوح البون الشاسع الذي يفصل ترامب عن عالم السياسة، وقرب كلينتون من تسلّم مفاتيح البيت الأبيض.