وافق البرلمان التركي رسمياً، أمس، على خطة لفرض حالة الطوارئ في البلاد لثلاثة أشهر بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، وسط بروز انقسام في المعارضة التركية بعد أيام من الوحدة في وجه الانقلاب، حيث أيد حزب الحركة القومية حالة الطوارئ فيما عارضها بشدة كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي، معتبرين أن الإجراء «انقلاب على البرلمان»، ويمهد لحكم «الفرد الواحد»، بينما أعلنت الحكومة نيتها إعادة هيكلة الجيش وعلقت العمل مؤقتاً بالمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، في وقت تهاوت الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها خلال ستة شهور، حيث حذرت الحكومة من أن خطر التضخم قائم، ما يشير إلى موجة غلاء عامة.

وأقرّ النواب الأتراك حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس رجب طيب أردوغان في أعقاب الانقلاب الفاشل.

وصرح رئيس الوزراء بن علي يلديريم أمام النواب، أن «سلطة الشعب انتصرت على سلطة الدبابات»، بعد إعلان نتيجة التصويت الذي قضى بإقرار حالة الطوارئ بـ346 صوتاً مقابل 115 صوتاً معارضاً. ويملك حزب العدالة والتنمية أكثرية مطلقة في البرلمان (317 نائباً من 550).

انقسام الأحزاب

وفتح فرض الطوارئ باب الانقسام الحاد بين الأحزاب السياسية، بعد أن اتحدت الأحزاب في وجه الانقلاب العسكري.

وحذر حزب الشعب الجمهوري، أكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان، من أنه لا يجب اعتبار ترك الحبل على الغارب بالنسبة لإساءة الحكومة لاستغلال السلطة أمراً مسلماً به بعد إعلان حالة الطوارئ.

وقال نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، لشبكة «سي.إن.إن. تورك» الإخبارية: «هذه خيانة للأمانة ونكران للجميل وانقلاب مدني ضد البرلمان».

وعلق النائب سيزغين تانريكولو من حزب الشعب الجمهوري (اشتراكي ديموقراطي، حزب المعارضة الرئيسي) على تويتر بالقول: «تم تعليق الحقوق والحريات الأساسية».

وقال نائب آخر من الحزب، وهو محرّم إنجا، أن قرار إعلان الطوارئ «إقصاء صريح للبرلمان».

أداة تصفية

في السياق، أكد حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في بيان: «محاولة الانقلاب في 15 يوليو تحولت إلى فرصة وأداة لتصفية أولئك الذين يعارضون الحكومة وزيادة تقييد الحقوق والحريات الديمقراطية». كما حذر الحزب من حكم «الفرد الواحد» متمثلاً في الرئيس رجب طيب أردوغان. وأضاف أن «المجتمع كان مضطراً للاختيار بين انقلاب ونظام حكم غير ديمقراطي. ونحن قطعاً نرفض الخيارين».

في المقابل، قال زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، إن الحزب يدعم قرار الحكومة إعلان حالة الطوارئ لأنه يخدم المصلحة الوطنية. وقال في بيان: «سيقف حزب الحركة القومية بكل قوة في صف الدولة والشعب في هذه الفترة المظلمة والعصيبة مهما كان الثمن».

وتأمل السلطات في رفع حالة الطوارئ خلال شهر ونصف الشهر إذا ما عادت الأمور إلى طبيعتها.

المعاهدة الأوروبية

وستسمح الطوارئ للرئيس التركي وحكومته بتجاوز البرلمان وإصدار قوانين جديدة وتقييد الحقوق والحريات أو الحد منها إذا اقتضت الضرورة. وبالنسبة لبعض الأتراك أثارت الخطوة مخاوف من العودة لأيام فرضت فيها الأحكام العرفية في أعقاب انقلاب عسكري عام 1980 أو عندما بلغ تمرد الأكراد ذروته في تسعينيات القرن الماضي، وفرضت الحكومة حينها حالة الطوارئ.

ومن التداعيات السريعة لحالة الطوارئ، نقل تلفزيون «إن.تي.في» التركي عن نائب رئيس الوزراء التركي، الناطق باسم الحكومة، نعمان كورتولموش، قوله إن بلاده ستحذو حذو فرنسا في تعليق العمل مؤقتاً بالمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، بعد إعلانها حالة الطوارئ.

هيكلة الجيش

وقال قورتولموش إن حالة الطوارئ في تركيا ربما ترفع خلال فترة تتراوح بين شهر واحد وشهر ونصف الشهر. وتحدث عن أخطاء مخابراتية «هيكلية وفردية» خلال محاولة الانقلاب، وقال إن العمل جار على إعادة هيكلة الجيش.

وبدأت رئاسة الأركان التركية تحقيقاً داخلياً حول محاولة الانقلاب الفاشلة، ويشمل التحقيق خصوصاً عناصر القوات المسلحة الذين كانوا مناوبين ليلة محاولة الانقلاب، وذلك لمعرفة ما إذا كانت مناوبتهم وفق جدول رسمي أم بناء على رغبتهم. وسيعمل التحقيق على الكشف عن المؤيدين لمحاولة الانقلاب بين عناصر القوات المسلحة، وعما إذا كانت هناك وقائع إهمال محتملة. ويأتي هذا التحقيق بالتزامن مع التحقيق الذي أطلقته نيابة أنقرة العامة، بعد محاولة الانقلاب.

مخاوف اقتصادية

وتحدث نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك للتلفزيون، وكتب على موقع التواصل الاجتماعي في محاولة لتهدئة التوتر في أسواق المال ووقف أي مقارنات مع الماضي. وعمل شيمشك سابقاً في وول ستريت، وينظر إليه باعتباره أحد أكثر السياسيين تشجيعاً للاستثمار.

وفي تغريدة على تويتر كتب شيمشك: «إن حالة الطوارئ في تركيا لن تشمل قيوداً على الحركة والتجمعات وحرية الصحافة وما إلى ذلك. هي ليست أحكاماً عرفية مثل التي فرضت في التسعينيات».

وأضاف: «أثق في أن تركيا ستخرج من ذلك، وهي أكثر ديمقراطية ولديها اقتصاد سوق أفضل ومناخ استثمار أكثر جذباً».

لكن الثقة تراجعت في الأسواق بدرجة كبيرة. واقتربت الليرة من تسجيل تراجع قياسي مرة أخرى، فيما انخفض مؤشر البورصة الرئيسي بنسبة 3.6 في المئة.

وأكد شيمشك أن الصدمة الأولى من الانقلاب العسكري الفاشل «تلاشت تقريباً»، وإن خطر التضخم ينبع من تراجع سعر الصرف، وذلك بعد أن هوت الليرة إلى مستوى قياسي منخفض.

ودفع المستثمرون العملة للهبوط بعنف بفعل أنباء فرض حالة الطوارئ لثلاثة أشهر، وبعد أن خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية تصنيفها السيادي لتركيا. ويخشى المستثمرون من مدى الحملة الحكومية التي أعقبت الانقلاب.

وأبلغ شيمشك الصحافيين في أنقرة أن تراجع التضخم الأساسي قد يتوقف «مؤقتاً» بعد محاولة الانقلاب الفاشلة بسبب ضعف العملة. وسجلت الليرة مستوى قياسياً منخفضاً عندما بلغت 3.0970 ليرة للدولار.

وفقدت الليرة سبعة في المئة من قيمتها عقب محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا، وانخفضت، أمس، في مقابل جميع العملات الرئيسية.