تتجه تداعيات المحاولة الانقلابية في تركيا إلى السير في اتجاه تصادمي بين السلطات التركية والدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة التي طالها اتهام مباشر من وزير تركي بالوقوف وراء الانقلابيين، وهو اتهام نفته واشنطن وحذرت من إلحاق ضرر بالعلاقات الثنائية، فيما انتقدت فرنسا الإجراءات التركية القاسية ضد من تتهمهم أنقرة بالتآمر، وأكدت أن إدانة الانقلاب لا تعني منح السلطات التركية «شيكاً على بياض»، وهو موقف تقاطع مع الموقف الأوروبي الذي حذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من «استغلال» الحدث ضد خصومه، وأن ذلك سيؤدي إلى انفصال أنقرة عن «قيم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي»، وعلى هذا المنوال جاءت مواقف كندا والنمسا بالتحذير من «إجراءات تعسفية» و«عقوبات جماعية» خارج إطار القانون، في وقت يعقد الاتحاد الأوروبي اجتماعاً اليوم يتناول «رسم الحدود» المتاحة للرئيس التركي ضد معارضيه.

وفاجأ وزير العمل التركي سليمان سويلو المسؤولين الأميركيين بتوجيهه اتهاماً مباشراً إلى الولايات المتحدة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية الفاشلة. ولم يعلّق المسؤولون الأتراك على الاتهام، ولم يتم نفيه بشكل رسمي، على الرغم من الإطلالات الكثيرة للقادة الأتراك على وسائل الإعلام.

ويعد هذا الاتهام قفزة في الريبة التركية تجاه الولايات المتحدة التي تؤوي الداعية المثير للجدل فتح الله غولن، المتهم الرئيس بتدبير المحاولة الانقلابية. وجدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس، طلبه بتسليم واشنطن لغولن إلى السلطات التركية.

إضرار بالعلاقات

وأجرى وزير الخارجية الأميركي جون كيري اتصالاً هاتفياً بنظيره التركي مولود جاووش أوغلو، لتأكيد دعم بلاده للحكومة التركية، وكذلك أيضاً لإبلاغه رفض الإدارة الأميركية للتصريحات والتلميحات التي اتهمتها بالضلوع في المحاولة الانقلابية.

وبحسب وسائل الإعلام، فإن العديد من المسؤولين الأتراك اتهموا الإدارة الأميركية تصريحاً أو تلميحاً بأنها كانت في الواقع تأمل نجاح الانقلاب، وهي اتهامات رفضها كيري رفضاً باتاً بغضب.

وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية جون كيربي إن الوزير الأميركي أوضح أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة السلطات التركية على القيام بهذا التحقيق، وأكد أيضاً أن التلميحات أو التصريحات العلنية بشأن دور محتمل للولايات المتحدة في محاولة الانقلاب الفاشلة هي جميعها خاطئة وتضر بعلاقاتنا الثنائية.

تشدد فرنسي

وجاءت لهجة فرنسا الأكثر حدة في ردود الفعل الدولية على الإجراءات التركية ضد خصوم حزب العدالة والتنمية المتهمين بالتورط في المحاولة الانقلابية. وطالب وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت باحترام دولة القانون في تركيا.

وقال آيرولت لشبكة «فرنسا 3» التلفزيونية: «كان من الواجب إدانة الانقلاب في تركيا، فهذا أقل شيء، لكن نريد أن تعمل دولة القانون بصورة تامة في تركيا، فهذا ليس شيكاً على بياض لأردوغان». وكرر آيرولت أنه «يجب ألا يتم تنفيذ عمليات تطهير. أولئك الذين أضروا بالديمقراطية ينبغي ملاحقتهم في إطار سيادة القانون».

حدود أردوغان

وقال آيرولت إن الأوروبيين سيذكّرون بذلك في بروكسل، حيث ينعقد اجتماع لوزراء الخارجية اليوم. وأردف: «لن نكفّ عن تكرار ضرورة التعامل مع الأتراك بشكل ديمقراطي».

بدوره، دعا وزير الخارجية النمساوي سيباستيان كورز أنقرة إلى عدم استخدام الانقلاب الفاشل بطريقة خاطئة، وألا تجعل منه وسيلة للتصرف بطريقة تعسفية، داعياً إلى عدم منح أردوغان «حرية التصرف بطريقة تعسفية».

وأعرب عن الأمل بأن يرسم اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين المقرر اليوم في بروكسل «الحدود» المتاحة للرئيس التركي.

ما بعد الانقلاب

في السياق، ناشدت الحكومة الكندية نظيرتها التركية التعامل بموجب المبادئ الأساسية للديمقراطية مع مرحلة «ما بعد الانقلاب» الفاشل. وقال وزير الخارجية الكندي ستيفان ديون إنه تحدث مع نظيره التركي، وشدد على مسامعه على «ضرورة تجنب أي عقوبة جماعية» تجاه المتهمين.

في الأثناء، ناشد السياسي الألماني والمفوض الأوروبي البارز جونتر أوتينجر الحكومة التركية عدم مواصلة تحجيم المبادئ الأساسية الديمقراطية بعد محاول الانقلاب.

وقال أوتينجر، الذي يتولى منصب مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الرقمية في تصريح صحافي، إنه إذا استغل أردوغان محاولة الانقلاب لمواصلة تقليص المبادئ الأساسية في بلاده، فسوف يبعد بذلك عن قيم الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

تحسن مع روسيا

وتأتي بوادر توتر العلاقات بين تركيا والغرب في ظل مؤشرات إلى تحسن الصلات بين أنقرة وموسكو، حيث سيلتقي أردوغان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الشهر المقبل.

وأمل الرئيس الروسي، خلال اتصال هاتفي بنظيره التركي أمس، بعودة الاستقرار سريعاً بعد الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، طالباً منه تأمين سلامة السياح الروس.

اهتزاز ثقة

اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت أن هناك تساؤلات تُطرح حول ما إذا كانت تركيا جديرة بالثقة كشريك في التصدي لتنظيم داعش.

 وأوضح: «الأسبوع المقبل هناك اجتماع في واشنطن (لدول التحالف ضد داعش)، وسيكون نظيري التركي موجوداً. وسنطرح عليه أنا ووزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان بوضوح أسئلة عن كيفية محاربة تنظيم داعش في سوريا».