اتهمت لجنة التحقيق البريطانية المستقلة الخاصة بحرب العراق رئيس الوزراء الأسبق توني بلير بشن الحرب قبل استنفاد كل السبل السلمية.. وشكّكت في الأسس القانونية للغزو، ما وضع بريطانيا بين استحقاقيْن: الاعتذار والإصلاحات.
وبدأ هذا التقرير في سنة 2009 بقيادة سير جون تشيلكوت ومستشاريه الخاصين، ومنهم الراحل سير مارتن غيلبرت الذي وافته المنية أثناء فترة إعداد التقرير.
وكان وزير شؤون مجلس الوزراء أشرف على عملية مكّنت سير جون تشيلكوت من حرية الإطلاع على الأوراق الحكومية. وكان معنى ذلك كشفاً غير مسبوق لأوراق سرية وأوراق لجنة الاستخبارات المشتركة، ومذكرات أساسية من مجلس الوزراء، ومحاضر اجتماعات وحوارات بين رئيس وزراء المملكة المتحدة توني بلير والرئيس الأميركي آنذاك جورج دبليو بوش، و31 مذكّرة شخصية من بلير إلى بوش. واستمعت لجنة التحقيق أيضاً لإفادات أكثر من 150 من الشهود، ويقع التقرير في 2.6 مليون كلمة، يحويها 13 مجلداً بتكلفة زادت على 10 ملايين جنيه استرليني.
يرى تقرير تشيلكوت أنه كان هناك اعتقاد راسخ لدى كل من الحكومتين البريطانية والأميركية بأن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين كان يملك قدرات لأسلحة كيماوية وجرثومية، وأنه سعى إلى إعادة تطوير قدراته النووية وأنه انتهج سياسة حثيثة من الخداع والتمويه. ولكن، وكما نعرف الآن، فإن الاعتقاد الذي كان سائداً في العام 2003 لم يعد يعكس الحقيقة والواقع.
ويذكر التقرير أن «في أعقاب هجمات 9/11 شعر الأميركيون وبحق بالقلق من خطر وقوع أسلحة دمار شامل في أيدي الإرهابيين».
ويقول سير جون إنه رغم تفهم القلق من الجمع الممكن بين انتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، إلا أنه لم يتوفر «أساس في تقييمات لجنة الاستخبارات المشتركة للإيحاء بأن العراق بحد ذاته كان مصدر هذا الخطر». فهو يقول إن الاستخبارات التي جرى تقييمها «لم تثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن كان صدام حسين قد استمر في إنتاج أسلحة كيميائية أو جرثومية، أو إن كانت جهود تطوير الأسلحة النووية قد استمرت».
الحرب قانونية!
وتجنب التقرير أن يجب على ما إذا كانت الحرب على العراق قانونية؟ وفي مسألة القانونية، أوضح التقرير حرفياً أنّه ولجنة التحقيق «لم ولن يعرب عن رأي حيال شرعية أو عدم شرعية مشاركة المملكة المتحدة في الحرب»، موضحاً أنّ «الحيثيات التي أفضت في نهاية الأمر إلى قرار الغزو بأن هناك أساساً قانونياً لمشاركة المملكة المتحدة كانت بعيدة كل البعد عن كونها مقنعة».
كما وجد سير جون تشيلكوت أيضاً أن الخيارات الدبلوماسية في تلك المرحلة لم تُستنفد، وأن «العمل العسكري بالتالي لم يكن ملاذاً أخيراً».
ويقول سير جون إنه عندما أصبح من غير الممكن استصدار قرار ثانٍ من الأمم المتحدة، كان لزاماً على المملكة المتحدة أن تفعل المزيد لاستنفاد كل الخيارات الدبلوماسية، بما فيها إتاحة وقت أطول للمفتشين حتى يُكملوا مهمتهم.
وعن من صنع قرار دخول العراق، وثّق التقرير بشكل دقيق مناقشات دارت في مجلس الوزراء قبل اتخاذ قرار التوجه إلى الحرب.
وشارك عدد من الوزراء، ومنهم وزيرا الخارجية والدفاع، في جزء كبير من عملية اتخاذ القرار التي وجّه لها التقرير انتقادات كبيرة، وذكر أن «الترتيبات كانت في غالبيتها غير رسمية ومتقطعة، وكثيراً ما جرت بمشاركة مجموعة صغيرة من الوزراء والمستشارين، ومن دون سجلات رسمية في بعض الأحيان».
انفراد بالقرار
ويرى سير جون أن توني بلير أرسل في مراحل حرجة ملاحظات شخصية وقطع تعهدات مهمة للرئيس بوش دون مناقشتها أو الاتفاق عليها مع زملاء في الوزارة.
ويجد سير جون تشيلكوت أنه «حين بدأ الغزو، لم تكن حكومة المملكة المتحدة في وضع يمكّنها من الاستنتاج بأنه جرى رسم خطط مرضية واتخاذ الاستعدادات لمواجهة تحديات وأخطار معلومة في ما بعد الحرب في العراق».
ويضيف أن الحكومة «افتقرت إلى رؤية وزارية شاملة واضحة للاستراتيجية والتخطيط والاستعدادات والتنسيق الفعّال ما بعد الحرب بين وزارات الحكومة» و«أخفقت في تحليل الأخطار وإدارتها بالصورة المناسبة».
ويوضح التقرير أن الحكومة البريطانية ظلت مستمرة في تركيزها الشديد على الافتراضات - أن لدى الأميركيين خطة، وأن الأمم المتحدة ستقوم بدور كبير، وأن المجتمع الدولي سيشارك في تحمّل الأعباء، وأن دور المملكة المتحدة سوف ينتهي بعد ثلاثة إلى أربعة شهور من انتهاء الحرب.
ويخلص سير جون إلى القول: فشل الحكومة البريطانية في الاستعداد بالشكل المناسب لما بعد الحرب، وهذا ما قلّل من إنجاز أهداف المملكة المتحدة الاستراتيجية في العراق.
تقويض مجلس الأمن
ويخلص سير جون تشيلكوت إلى أنه رغم أن توني بلير نجح في إقناع أميركا بالعودة إلى الأمم المتحدة في سنة 2002، إلا أنه لم يكن ناجحاً في تغيير موقف الولايات المتحدة من قرارات حرجة أخرى. وأنه «في غياب الأغلبية المؤيدة للعمل العسكري في مجلس الأمن في ذلك الوقت، فإن المملكة المتحدة كانت تقوّض سلطة مجلس الأمن».
ويذكر تقرير تشيلكوت أنّه «بينما تمت المحافظة على وحدة أراضي العراق، فقد نشأت انقسامات طائفية حادّة، وفقد آلاف المدنيين العراقيين الأبرياء حياتهم».
بشكل عام، يجد سير جون تشيلكوت أن سياسة الحكومة البريطانية كانت بعيدة جداً عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية، وساهمت في خلق فراغ استغله تنظيم القاعدة.
مزيد من الإصلاحات
وفي حديثه مع «البيان» قال رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون إنّ «من الواضح أن المجلس بحاجة إلى فرصة لدراسته ومناقشته (التقرير) بصورة معمّقة. وإنني على ثقة أننا نحتاج للمزيد من الوقت لدراسة هذا التقرير عن كثب».
ورأى كاميرون أنّ «هناك بعض الدروس التي يجب علينا أن نتعلمها ولا نتوقف عن تعلمها ومنها أن مشاركة البلاد في الحرب يجب أن تكون دائماً هي الملاذ الأخير، ويجب أن تتم فقط بعد استنفاد كل البدائل المعقولة وإذا حدث وأن اتخذنا القرار الصعب بالتدخل في بلدان أخرى فإن من الحيوي وضع مخطط مناسب لما سيحصل بعد ذلك».
وأوضح كاميرون أنّ «ما فعلناه كنتيجة للإصلاحات التي أعقبت التقرير وخلال التحقيق هو تأسيس صندوق الصراع والاستقرار وتحقيق الاستقرار، كما وسعنا وحدة تحقيق الاستقرار التي تضم إدارات حكومية مختلفة حتى يتمكن الخبراء من الانتشار سريعاً في أوضاع ما بعد الصراع في أي مكان من العالم، كما أننا بحاجة لمزيد من الإصلاحات في الوزارات».
حليف وصديق
وفي تعليقه على: هل بريطانيا ذهبت للحرب لدعم أميركا فقط؟ قال كاميرون لـ «البيان»: «ليس لبريطانيا حليف وصديق أكبر من أميركا في العالم، وأن شراكتنا تظل مهمة لأمننا وازدهارنا اليوم كما كانت دائماً وأن ما يظهره هذا التقرير هو أنه لا بد من الفصل بشكل مناسب بين عملية تقييم المعلومات الاستخباراتية وبين صنع السياسة المنبثق عن ذاك التقييم».
وذكر كاميرون «سيكون من الخطأ تماماً أن نستنتج بأن جيش بريطانيا غير قادر على التدخل بنجاح في أنحاء العالم. فالكثير من الإخفاقات في هذا التقرير لم تتعلق مباشرة بأداء القوات المسلحة حين توجهت إلى العراق، بل كانت إخفاقات في التخطيط قبل إطلاق أي رصاصة.
وعلينا ألا نستنتج بأن التدخل سيكون عملاً خاطئاً دائماً. فهناك بلا أدنى شك أوقات يكون فيها التدخل مصيباً مثلما فعل بلدنا وبنجاح في كوسوفو وسيراليون».
واسترسل قائلاً: «ومع أن سير جون يوجه انتقادات كثيرة إلى عملية اتخاذ قرار الحرب بما فيها طريقة التعامل مع المعلومات وتقديمها، فإنه لا يقول في أي وقت وبشكل صريح بوجود محاولة متعمّدة لتضليل الناس، ولكن لقد صدر قرار التوجه إلى الحرب طبعاً بعرضه للتصويت في مجلس العموم البريطاني، ولا بد لجميع الأعضاء الذين صوّتوا إلى جانب العمل العسكري أن يتحمّلوا قدراً من المسؤولية».
بلير بدا ضعيفاً ومنهاراً نفسياً
قال رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير إنه شعر بالحزن والأسف بشأن حرب العراق لكنه دافع عن قراره الانضمام للغزو الذي قادته الولايات المتحدة في العراق.
وأضاف بلير أنه «اتضح أن تقييمات المخابرات وقت الذهاب للحرب كانت خاطئة، واتضح بعد ذلك أن العواقب أكثر عدائية، وامتداداً، ودموية مما نتخيل». وأشار إلى أن «من أجل هذا كله أعبر عن أسفي، وندمي واعتذاري أكثر مما تتخيلون وكان ذلك القرار الأصعب والأكثر مصيرية وألماً في الأعوام العشرة التي كنت فيها رئيساً للوزراء. وأنا أتحمل كامل المسؤولية اليوم، دون أي استثناءات أو أعذار». وأكد أنه «قبل المسؤولية الكاملة لقرار المشاركة في الحرب، رافضاً مقولة أن إرهاب اليوم نتيجة لغزو العراق».
وفي تعليقه على تصريحات توني بلير قال الصحافي البريطاني البارز أندي ماكسميث لـ «البيان» إن «ليس هذا رئيس الوزراء الأسبق توني بلير الواثق من نفسه الذي عرفناه في السابق فقد بدا شخصاً ضعيفاً ومنهاراً نفسياً ونبرة صوته أوحت لنا بأنه على حافة البكاء وظهر لنا وكأنه يدافع عما لا يمكن الدفاع عنه».
وأوضح ماكسميث أن «بلير أنكر وجود اتفاق على غزو العراق بشكل مسبق وصحيح أن تقرير تشيلكوت لم يجد وثيقة تؤكد ذلك، ولكن من المعروف أن بلير هو من أقنع بوش عندما زاره في مزرعته في كراوفورد في ولاية تكساس بإعطاء صدام حسين إنذاراً أخيراً قبل بدء الحرب».
واعتبر زعيم حزب العمال البريطاني المعارض جيريمي كوربن أن حرب العراق العام 2003، كانت عملاً من أعمال العدوان العسكري المبني على ذرائع كاذبة.
إضاءة
لجنة تشيلكوت ويطلق عليها أحياناً تحقيق تشيلكوت بالإنجليزية: Chilcot inquiry أما الاسم الرسمي لها فهو تحقيق العراق بالإنجليزية: The Iraq Inquiry وهي عبارة عن لجنة تحقيق مستقلة مختصة بالتحقيق حول مشاركة بريطانيا في حرب العراق.
تأسست في 15 يونيو 2009 من قبل رئيس وزراء بريطانيا السابق غوردون براون. وباشرت عملها رسمياً في 30 يوليو 2009. ويغطي التحقيق (كما أعلن السير جون تشيلكوت رئيس اللجنة) الفترة الواقعة بين صيف 2001 وحتى نهاية يوليو من 2009.
وتم اختيار أعضاء لجنة التحقيق من قبل غوردون براون وهي تتألف من:
السير جون تشيلكوت: كبير موظفي الخدمة المدنية وعضو سابق في لجنة بوتلر. وأطلق الإعلام اسمه على اللجنة باعتباره رئيسها.
السير لورانس فريدمان: مؤرخ عسكري وأستاذ الدراسات الحربية في جامعة الملك بلندن
السير مارتن غيلبرت:مؤرخ أيد الحرب على العراق في العام 2004 وقال إن بلير وبوش قد يصبحا يوماً ما مثل روزفلت وتشرشل.
السير رودريك لين: سفير سابق لدى روسيا والأمم المتحدة في جنيف، شغل سابقاً منصب السكرتير الخاص لرئيس الوزراء جون ميجور.
البارونة أوشا بارشر : عضو في اللجنة المشتركة لحقوق الإنسان، والرئيسة الحالية للجنة التعيينات القضائية.
تقييم
الصحافة البريطانية: غزو العراق سبب وجود «داعش»
نشرت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية موضوعا بعنوان: «ملفات استخباراتية ترجح أن غزو العراق ساعد على ظهور تنظيم داعش».
وترى الصحيفة ان هذه الاجهزة أكدت ان غزو العراق كان السبب الرئيسي في زيادة خطر الهجمات الارهابية على بريطانيا والسبب كذلك في تطور تنظيم داعش للشكل الحالي.
وتوضح «ذي غارديان» ان هذه الوثائق بالغة السرية وهو عبارة عن تقرير من اللجنة المشتركة لشؤون الاستخبارات تم الاعلان عنها ضمن تقرير تشيلكوت عن الحرب في العراق والذي صدر الاربعاء في لندن.
ويقول الكاتب باتريك وينتور إن التقرير تضمن تحذيرات من وزارة الخارجية العام 2003 بأن «قوات التحالف لن ينظر اليها من قبل العراقيين على انها قوات تحرير لوقت طويل إن لم يكن أبدا»، مشيرا الى ان العراقيين سواء داخل او خارج العراق علاوة على العرب يرغبون في رحيل القوات باسرع وقت ممكن.لندن - البيان
رأى
النتائج ستحد من تدخلات بريطانيا الخارجية
رأى خبراء بريطانيون أن تقرير تشيلكوت سيحد من التدخلات البريطانية في العالم.
وقال مدير برنامج شؤون الحكم في كلية لندن للاقتصاد ومستشار لجنة شؤون الحكم في مجلس العموم البريطاني توني ترافيرس، إنّ تقرير تشيلكوت كان له أثر حتى قبل كتابته، وهو ما جعل من غير المرجح مشاركة بريطانيا في حرب أو عمل عسكري مستقبلا، وبالتالي أدى إلى خسارة رئيس الوزراء ديفد كاميرون في العام 2013 التصويت في البرلمان بشأن مشاركة عسكرية في سوريا.
ويرى مراقبون ان التقرير انتقد رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بشكل غير مسبوق، لكنه لفت إلى أن هناك شعوراً في المملكة المتحدة والعراق بأن التحقيق لن يسير أكثر من ذلك. فـمحاكمة بلير أمام محكمة بريطانية تعثير مستبعدة بل أمر معقد.لندن - البيان


