بوتيرة متسارعة، يعيد دونالد ترامب المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية، مراجعة عناوين أساسية في حملته الانتخابية، وتشذيب مواقفه الانتخابية النافرة، التي لم تحظَ برضا المؤسسة الحزبية وتأييدها، في انقلاب مباشر وحاد على جمهوره، وانصياع لـ «المؤسسة» الحزبية، التي بنى ترشيحه على انتقادها.
وأول غيث المراجعة، التي تلت التسوية التي توصل إليها الملياردير النيويوركي، مع رئيس مجلس النواب الأميركي، بول رايان، وقيادات الحزب الجمهوري في اجتماع واشنطن قبل ثلاثة أيام، ظهرت بتوضيحات أعلنها ترامب حول دعوته إلى منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، التي كانت قد أثارت ردود فعل واستنكارات واسعة أميركية ودولية.
وتنصل ترامب في تصريحاته الجديدة من هذا الموقف، ورد على سؤال صحافي، بأن الأمر كان مجرد اقتراح ورد على ذهنه، بعد هجمات سان برناردينو الإرهابية، وقال إن اقتراحاته بشأن المسلمين، قابلة للتعديل، بعد مناقشة الأمر مع الكونغرس والمستشارين، في حال فوزه بالانتخابات الرئاسية.
خفة
وترسخ هذه الخفة في اتخاذ مرشح للرئاسة مواقف على قدر كبير من الخطورة، قد تطال نحو مليار ونصف مليار مسلم، وغيرها من المواقف الارتجالية والاستفزازية والعنصرية ضد النساء، أو ضد المهاجرين من الدول اللاتينية أو الأميركيين من أصول أفريقية.
ومن ثم، التراجع بسرعة عن هذه المواقف، ترسخ صورة غير مطمئنة للرأي العام الأميركي ولدول العالم، عن مستقبل الولايات المتحدة ودورها ومستقبل تحالفاتها ومصالحها في العالم، بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
وتطول لائحة المواقف والتصريحات الارتجالية للمرشح الجمهوري المثير للجدل وزلات لسانه، بدءاً من زعمه أنه شاهد آلاف العرب يتظاهرون في نيوجرسي احتفالاً بسقوط برجي نيويورك في سبتمبر 2001، وتراجعه عن هذا الزعم، بعد نفي الشرطة الأميركية، وتثبت وسائل الإعلام من عدم حصول تلك التظاهرات، إلى مطالبته خلال مقابلة تلفزيونية، بمعاقبة النساء المجهضات، ثم تراجعه عن ذلك.
ومن ضمن اللائحة، مواقفه الملتبسة من المجموعات العنصرية المتطرفة، التي أعلنت مبايعتها له في الانتخابات التمهيدية، وتنصله من العلاقة مع الزعيم السابق لجماعة «كو كوكس كلان» ديفيد ديوك، وكذلك الانقلاب على موقفه من مسألة الحياد بين إسرائيل والفلسطينيين في الخطاب الذي ألقاه أمام منظمة إيباك اليهودية.
تحولات
ورغم أن رجل الأعمال النيويوركي، ونجم تلفزيون الواقع، يدرج هذه التحولات الجذرية في مواقفه، في إطار دبلوماسية المرونة والبراغماتية السياسية، إلا أنها من وجهة نظر الكثيرين، سبب وجيه لعدم الثقة بمصداقيته وكفاءته لمنصب رئيس الولايات المتحدة، فـ «الرئاسة ليست مجرد استعراض وتسلية للرأي العام»، حسب باراك أوباما.
و«لا يجوز أن تحتل هذا المنصب شخصية متهورة ومتقلبة»، كما تكرر هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي. ما يعني أن التسويات والتنازلات التي سيقدمها ترامب على مذبح وحدة الحزب الجمهوري، ستلحق أضراراً إضافية بالغة بصورته كرئيس محتمل للولايات المتحدة.
شعبية
ومن المرجح أن تنعكس أيضاً بشكل سلبي على شعبيته في أوساط اليمين المتشدد والمجموعات العنصرية المتطرفة، التي شكلت رأس الحربة في معاركه الانتخابية ضد مرشحي الحزب الجمهوري.
أي أن تقرب ترامب من المؤسسة الحزبية والرضوخ لأجندة المحافظين في الحزب الجمهوري، سيكون من وجهة نظر جمهوره ومؤيديه، خيانة للشعارات الداعية إلى تغيير الطبقة السياسية التقليدية.
ومن غير المستبعد، أن يخسر ترامب أصوات ملايين الناخبين الجمهوريين والمستقلين الغاضبين من المؤسسة الحزبية، بعد ترويض خطابه وتحوله إلى مرشح لـ «المؤسسة»، وهي التهمة التي أطاحت بـ 16 مرشحاً جمهورياً منافساً خلال الانتخابات التمهيدية.
200
بعثت حملة دونالد ترامب، رسالة مألوفة بالبريد الإلكتروني، تدعو الأميركيين إلى حضور مؤتمر انتخابي للمرشح المحتمل للرئاسة عن الحزب الجمهوري هذا الأسبوع، وكان نصها «لنلتقي في نيوجيرسي».. لكن شيئاً ما بدا غريباً، فقد تضمنت بقية الرسالة، عبارة تقول «ستحتاجون لشراء تذكرة للمشاركة في المؤتمر».
وتبلغ قيمة التذكرة 200 دولار. وكانت كل المؤتمرات الانتخابية التي نظمتها حملة ترامب على مدى شهور، مجانية ومفتوحة لكل الناس، الذين كان عليهم تحمل الانتظار لمدة نصف يوم حتى يتسنى لهم دخول المؤتمر، والبقاء لمدة ساعة داخل ملعب رياضي أو مستودع مكتظ عن آخره.
وسيكون المؤتمر الانتخابي المقبل، اختباراً لمؤيدي ترامب الذين كانوا يملأون مؤتمراته عن آخرها.