تستلزم مطاردة المتشددين تعبئة قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات في العالم، غير أنها تتطلب أيضاً جهود أمهاتهم، أقرب الأشخاص إليهم واللواتي يعرفنهم أكثر من أي كان.
وقالت المحللة مؤسسة منظمة «نساء بلا حدود» أديت شلافر أنها «منافسة مباشرة» بين الأمهات و«المجندين الذين يستخدمون نفوذهم الضار في المساجد عندما يصبح الأولاد فتياناً».
وانطلاقاً من ذلك، دعت هذه المرأة النمساوية السبعينية إلى أن تتولى الأم مهمة الرقيب لرصد أي دليل على التطرف يظهر لدى ولدها أكانت العائلة من بلجيكا أو إندونيسيا أو كشمير أو نيجيريا.
وترمي «مدارس الأمهات» التي أسستها المنظمة غير الحكومية منذ 2012 في بلدان عدة إلى المساعدة لتفادي وقوع الشباب في شباك الإرهاب أو لإخراجهم منها. وبعد أن تعرفت على نساء أخريات في الوضع ذاته خلال ورشة عمل نظمت أخيراً في فيينا حول هذا الموضوع، تقول فاطمة الزرهوني، البلجيكية البالغة الـ44 من العمر التي رحل ابنها إلى سوريا منذ يونيو 2013:
«إنها لم تعد تشعر بأنها وحيدة»، حتى وإن كانت تشعر «بأنها لن تراه مجدداً». وورشة العمل التي نظمت في فيينا شاركت فيها «اختصاصيات» تابعن الدورات العشر للتدريب على مكافحة التطرف، ومشاركات جديدات مثل الزرهوني. وتؤكد الأخيرة أنها «لم تخطر سوريا ببالها للحظة» عندما رأت ابنها يصلي بانتظام ويبدل ملابسه الغربية بملابس تقليدية.
والشعور ذاته بالدهشة انتاب صالحة بن علي التي قتل ابنها البالغ الـ19 من العمر في سوريا قبل ثلاث سنوات. وتقول هذه العاملة في المجال الاجتماعي في فيلفورد في ضاحية بروكسل: «تطرفه كان سريعاً جداً، حصل ذلك خلال ثلاثة أشهر ولم نلاحظ أي دليل على ذلك».
وفي فبراير الماضي نظمت «مدرسة الأمهات» أول دورة لها في إندونيسيا أكبر بلد مسلم عددياً في العالم. وقالت أديت شلافر «التقيت في إندونيسيا نساءً يعتقدن أن أبناءهن ذهبوا إلى سوريا للعمل. لم تكن لديهن أي فكرة عن سوريا. عندما قلت لهن إنها ساحة حرب انهرن».
وفي جاكرتا قالت إحدى المشاركات وتدعى خوتيمون سوسانتي: «الأمهات الإندونيسيات لم يعتدن التواصل... تعلمنا هنا أهمية تطوير ثقافة حوار».
وهي سمعت نساء أخريات يصفن تقنيات تجنيد المتشددين، وتعتبر أنها باتت تفهم بشكل أفضل «استراتيجياتهم».
مدرسة بطاجيكستان
وبعد فتح مدرسة أولى في طاجيكستان في 2012 فتحت مدارس أخرى في باكستان ونيجيريا وانتشر المشروع في أوروبا ودشنت مدارس في النمسا وبلجيكا على أن تفتح مدارس أخرى قريباً في السويد وبريطانيا. وتعاونت منظمة «نساء بلا حدود» غير الحكومية مع خبراء في مكافحة الإرهاب من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومقرها أيضاً فيينا.
وهذه المنظمة مستقلة وتدعمها مالياً وزارات نمساوية عدة والاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية الأميركية.
وهناك برامج أخرى خارج منظمة «نساء بلا حدود» للتصدي للتطرف تتولاها نساء، وتقف لطيفة بن زياتن، والدة إحدى ضحايا الإرهابي محمد مراح في 2012 في تولوز (جنوب غرب فرنسا)، وراء مبادرات عدة بهذا المعنى، لكن يبدو أن المنظمة هي البنية الوحيدة الناشطة في دول عدة.
وفي النمسا شاركت 15 امرأة في ورشات العمل التي تنظمها مدرسة الأمهات. وكلهن من الجالية النمساوية - الشيشانية التي تعد 30 ألف شخص وفقدت عدداً من الشباب بعد أن انخرطوا في صفوف تنظيم داعش.
وقالت الصحافية والمدربة في ورشات العمل في النمسا مينات كوبانوفا: «الأمر ليس سراً. جاليتنا تأثرت بشكل كبير بظاهرة تطرف شبابها».
صدمة كبيرة
وأضافت كوبانوفا: «غادر الأهل الشيشان لإنقاذ أولادهم من الحرب. والآن يخسرونهم في نزاع في بلد آخر. الصدمة كبيرة. لكن هذا لا يعني أننا عاجزون ونكتفي بالانتظار بأن يأتي المجندون لخطف أولادنا».
وهذا التصميم على محاربة ما سمته «العدو الخفي» واضح بين المشاركات. وقالت فاطمة: «أعطتني النساء المشاركات الأمل». وأضافت «العديد من الأشخاص ينظرون إلينا كأمهات إرهابيين. لكننا أمهات في غاية الشجاعة».