أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى أن ما حققه من نجاح عسكري في سوريا كان دافعه لتقليص حجم قواته على الأراضي السورية. لكن الأرجح أن ما دفعه لأخذ هذه الخطوة هو اعتقاده أن التدخل العسكري ضمن له مقعداً على مائدة الكبار في إدارة الشؤون العالمية.
كانت العملية التي بدأت روسيا تنفيذها في سوريا في 30 سبتمبر من العام الماضي منطقية للكرملين من الناحية العسكرية والدبلوماسية بل وعلى صعيد السياسة الداخلية إذ كان الكرملين يحرص على دعم أقرب حلفائه في منطقة الشرق الأوسط وحماية قاعدته البحرية الوحيدة في البحر المتوسط. وحقق هذين الهدفين إلى حد بعيد.
غير أن تحليلاً لتعليقات الرئيس الروسي وغيره من المسؤولين وكذلك محادثات مع شخصيات مطلعة على أسلوبه في التفكير كل ذلك يشير إلى أن هدفه الأساسي كان جعل روسيا طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه في عملية السلام السورية حتى يمكنها استعادة قدر من المكانة الدولية التي كان الاتحاد السوفييتي يتمتع بها.
مجلس الإدارة
وقال الباحث بمركز كارنيغي موسكو الكسندر باونوف: «روسيا عادت إلى مجلس الإدارة العالمي، إلى المائدة التي تقرر عليها القوى العالمية والإقليمية مصير صراعات الآخرين ومن الواضح أن روسيا ليست طرفاً محلياً بل عالمياً».
واشتهر عن بوتين غموضه واستحالة التنبؤ بتصرفاته ولم يكن قراره خفض الوجود العسكري الروسي في سوريا استثناء من ذلك. وهو لا يضع ثقته سوى في زمرة صغيرة من الشخصيات المقربة منه، وقد جاء التحرك الأخير مفاجأة كاملة لكثيرين في الكرملين ووزارة الدفاع.
وقال مصدر بصناعة الدفاع لوكالة «رويترز» مشترطاً عدم نشر اسمه بسبب حساسية المسألة: «أمضيت اليوم كله في وزارة الدفاع ولم نسمع أي شيء».
ورددت وسائل الدعاية التابعة للدولة عبارة «إنجاز المهمة»، في تقليد متعمد للعبارة التي كتبت على سفينة حربية أميركية عام 2003 عندما أعلن الرئيس جورج دبليو بوش نهاية العمليات القتالية الرئيسية في العراق. ويقول البعض إن المهمة الحقيقية كانت منح روسيا نفوذاً على ساحة الشؤون العالمية، ففي غضون ستة أشهر تحولت روسيا من دولة منبوذة في الغرب بسبب ضم شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين المؤيدين للكرملين في شرق أوكرانيا إلى شريك يتجه إليه الكل فيما يتعلق بسوريا. وبعد أن كان قادة الغرب يترفعون عن التعامل مع روسيا أصبحت موسكو الآن طرفاً معتاداً للتحاور عند واشنطن وقادة الاتحاد الأوروبي.
تحصيل كل الفوائد
وقال الخبير السياسي بكلية الاقتصاد العليا في موسكو نيكولاي بتروف: «بوتين حصل على كل الفوائد السياسية. ومن الأفضل الانسحاب قبل أن تزيد التكاليف وقبل أن يقع أي حادث وقبل أن تصبح المخاطر أكبر من اللازم».
ويمثل إعادة تأكيد صوت روسيا على الساحة العالمية أمراً يحظى بأهمية كبيرة لبوتين الذي شغل على مدار الـ15 عاماً الماضية منصبي الرئيس ورئيس الوزراء ومن المعتقد أنه يولي أهمية خاصة لما سيذكره التاريخ عنه وفي الوقت نفسه لا يبدي أي بادرة على الرغبة في الرحيل عن الكرملين.
واعترف منتقدو بوتين بالمكانة التي حققتها سوريا للزعيم الروسي. وقال وزير الخارجية البريطاني فيليب هاموند لهيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) في الشهر الماضي: «يوجد رجل واحد على هذا الكوكب يمكنه أن ينهي الحرب في سوريا بمكالمة هاتفية وهذا الرجل هو بوتين».
معضلة العقوبات
وعلى الصعيد الداخلي ساهم التدخل الروسي في إبقاء معدلات شعبية بوتين قرب مستوياتها القياسية كما كان بمثابة أداة مفيدة لصرف الأنظار عن المشكلات الاقتصادية.
ومازالت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على موسكو بسبب الأزمة الأوكرانية سارية وتسهم في تعقيد أزمة مالية داخلية ازدادت سوءاً بانهيار أسعار النفط.
ويعتقد بعض المحللين أن قرار خفض حجم القوات الروسية في سوريا أملاه ضعف وإدراك أن روسيا لا يمكنها إبرام اتفاق مع الغرب بشأن سوريا لرفع العقوبات السارية عليها.
ويقول آخرون إنه لا يمكن معرفة دوافع بوتين ومن هؤلاء دبلوماسي غربي قال لرويترز إن أنباء التحرك الأخير كانت مفاجأة كاملة له وليس لها أي تفسير.
وقال وزير الخارجية البريطاني هاموند: «لا أحد منا يعرف ما هو قصد السيد بوتين عندما ينفذ أي عمل ولهذا السبب هو شريك صعب للغاية في أي وضع كهذا».
وتفسر بعض الدوائر خطوة بوتين بأنها محاولة للتأثير في نتيجة محادثات السلام الروسية في جنيف وربما الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد كي يتحلى بالجدية فيما يتعلق بالتوصل لاتفاق.
خيار العودة
تعتقد قلة قليلة داخل روسيا أن الأسد عرضة لفقدان دعم بوتين حتى إذا كان الكرملين يريد منه خوض أي انتخابات رئاسية تجري مستقبلاً. ولم يبد بوتين ما يشير إلى أنه يكن إعجاباً خاصاً بالزعيم السوري لكنه لا يرى فائدة تذكر في إبداله بشخص ربما يتضح فيما بعد أنه أسوأ ولا يؤمن بأن سوريا مستعدة للديمقراطية على النمط الغربي. وعلى أي حال فقد وقى بوتين نفسه من الخسارة، فبوسعه إذا ما شعر بأن الخطر يحدق بالنفوذ العالمي الذي اكتسبه في الآونة الأخيرة أو بالأسد، أن يستخدم القاعدتين العسكريتين اللتين تركهما في سوريا لتوسيع الوجود العسكري الروسي على وجه السرعة.