مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
أسبوع آخر، ومشروع آخر أُعد على عجل في محاولة لحل أزمة اللاجئين. هذه المرة عبر إرسال السفن الحربية لحلف شمال الأطلسي والمنتشرة في بحر إيجة لضبط السواحل والشطآن.
وإشراك حلف شمال الأطلسي ليس خطوة غير مسبوقة في عملية عسكرة الحدود الأوروبية فقط ولكنه يناسب أيضاً التوجه الذي يجري منذ فترة طويلة في أوروبا للنظر إلى اللاجئين والمهاجرين الذين يصلون عن طريق القوارب، كحالة طوارئ لا يمكن معالجتها إلا بتعزيز أمن الحدود.
ومنذ الإعلان عن اتفاق شينغن في أوروبا بشأن حرية التنقل في فترة التسعينيات، احتشدت الحكومات حول مهمة تأمين الحدود الخارجية لأوروبا كبديل لاتباع نهج مشترك حقيقي بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء. لكن هناك مشكلة واحدة فقط وهي أن هذا النهج لم ينجح أبداً.
وكما أوضح الباحثون مراراً وتكراراً، لن تحل محاولات تقليص الهجرة من خلال ضبط أمن الحدود وإطلاق سياسات الردع شيئاً إذا ظلت الأسباب الجذرية ــ الناتجة عن تعميق التفاوت العالمي في ما يتعلق بالطلب على العمل، وشبكات القرابة عبر الحدود، والعنف والقمع ــ دون معالجة. وعلى العكس، فإن مثل هذه السياسات تزيد الوضع سوءاً وتجعله أكثر فوضوية .
ونشأت حلقة مفرغة في ظل وصف السياسيين مزيداً من الوصفات من الدواء السام نفسه استجابة لكل «أزمة» جديدة على الحدود الأوروبية، بدءاً بجزيرة ليسفوس إلى لامبيدوسا. لقد قاموا بتلك السياسات دونما محاسبة منذ وقت طويل، لكن في ظل وصول أكثر من مليون شخص عبر البحر الأبيض المتوسط في العام 2015 وحده، لم يعد بإمكانهم التظاهر بأن نهج أمن الحدود ناجح.
مع ذلك، يتعين علينا أيضاً أن ندرك كيف يشبه الفشل النجاح بالنسبة للعديد من الجهات الفاعلة التي تغذي النهج العقابي للهجرة – فالساسة الأوروبيون حريصون على تقديم صورة صعبة لدوائرهم الانتخابية، ووكالات الحدود، وشركات الدفاع والأمن، والدول المجاورة لأوروبا، التي استخدمت المهاجرين كمصدر جيد لإدرار المال وورقة مساومة.
وإذا كان الأمر كذلك، فما العمل؟
1. التعلم من «الحروب»
تماماً مثلما فشل نهج مكافحة الهجرة إلى حد كبير في احتواء الحركات البشرية عبر الحدود، يتم الاعتراف الآن بأن الحرب على المخدرات عملية مكلفة جداً، ومدمرة وغير مجدية في نهاية المطاف.
ويمكننا الاعتماد على مفهوم الحد من الضرر الذي بدأ تطبيقه (وإن كان بشكل متواضع) فيما يتعلق بالمخدرات، على سبيل المثال عن طريق خفض بعض التدابير الأمنية التي تؤدي إلى نتائج عكسية تُعرّض الآن حياة الأشخاص للخطر – بما في ذلك الاعتقال الجماعي، إعادة الأشخاص وتشييد الأسوار – وفي الوقت ذاته تعزيز البدائل الإنسانية من خلال قيام الاتحاد الأوروبي بتقديم تمويل موجّه.
وأكبر تدبير يمكن اتخاذه للحد من الضرر بسيط، وهو في متناول الدول الأعضاء بالفعل: توفير مسارات قانونية مما يسمح للوافدين بوصول آمن ومنظم بدلاً من أساليب الدخول الفوضوية والخطرة.
2. تقييم التكاليف الحقيقية لـ«نموذج أمن الحدود»:
من الصعب للغاية في الوقت الحاضر تقييم نفقات دافعي الضرائب على أمن الحدود وضوابط الهجرة، ولكن تحقيقاً صحافياً أجري عبر الدول الأوروبية مؤخراً كشف أنه تم إنفاق قرابة 11 مليار يورو على عمليات الترحيل وحدها منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي.
والأمر لا يقتصر على التكاليف الأمنية المباشرة فقط، إذ تستخدم أوروبا منذ فترة طويلة المعونة الإنمائية للمساعدة في إقناع الدول الأفريقية بتطبيق تدابير لردع الهجرة. مع ذلك، لا يكفي أن نقوم بإحصاء التكاليف المالية فقط، فنحن بحاجة أيضاً لتقييم التكاليف الاجتماعية والسياسية والبيئية والاقتصادية الأكبر تأثيراً.
وضعت سياسات غلق الباب أمام الطرق القانونية وتدابير أمن الحدود التي تُفقِر الجار ضغوطاً هائلة على المناطق الحدودية عبر أوروبا، ما أدى إلى تراجع السياحة، وسحق المحاصيل واضطرابات اجتماعية، ناهيك عن آلاف الأرواح التي أزهقت غرقاً في البحر.
ومن الناحية السياسية، تعتبر التكاليف عالية جداً. فنظام شينغن يواجه الآن خطر التمزيق، وقد اكتسبت الدول الخارجية على طرق الهجرة الرئيسية ميزة ضخمة من شعور أوروبا بالذعر بينما ينظر بقية العالم باستياء وهو يرى الاقتصادات المتقدمة تترك الناس يهلكون أمام أعينهم.
3. استراتيجية عالمية للتنقل
هذا يستلزم التعامل مع الهجرة ليس كحالة طوارئ أو تهديد، بل كسمة دائمة من سمات الحياة البشرية يمكن – إذا تعاملنا معها بشكل صحيح – أن تخلق فرصاً كبيرة.
ويمكن إحداث تحول استراتيجي من خلال أربع خطوات متداخلة: أولاً، تخفيف حدة النقاش وتلطيف الحديث المتعلق بحالة الطوارئ، التي لم تخدم سوى تعزيز نموذج الأمن. ثانياً، عن طريق إقامة نوع مختلف من التعاون مع الدول المجاورة لأوروبا، وإلغاء نهج مكافحة الهجرة المدمر وبدلاً من ذلك تبادل الخبرات في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم.
ثالثاً، عبر تعامل طبيعي حقيقي مع الهجرة داخل أوروبا عن طريق تقاسم المسؤولية بشكل أكثر إيجابية عن الحصص الإلزامية، وفي الوقت ذاته تحويل قضايا الهجرة بعيداً عن وزارات الداخلية ، عبر العمل على اتباع نهج عالمي شامل للهجرة يعزز المسؤولية المشتركة تجاه اللاجئين تحت مظلة المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون اللاجئين وفي الوقت نفسه إدخال أشكال أخرى من الهجرة.
وإذا استطاع قادة أوروبا ترتيب بيتهم من الداخل – وينبغي أن نضع أكثر من خط تحت إذا – فسوف يستطيعون التصرف كشريك موثوق به في مداولات الأمم المتحدة هذا العام، ما يقدم نوايا حسنة لتقاسم أكبر للمسؤولية من قبل الدول الغنية الأخرى.
لا شيء مما سبق يشكل حلاً سريعاً، وبالمثل أيضاً معالجة الأسباب الرئيسية لأزمة اللاجئين العالمية، أي الحروب الوحشية والقمع.
طريق مغلق
باتت طريق البلقان مغلقة الأربعاء بعد قرار سلوفينيا عدم السماح بمرور لاجئين عبر أراضيها، في إجراء هدفه ثني المهاجرين الجدد عن القدوم إلى أوروبا لكنه يمكن أن يزيد مخاطر حصول أزمة إنسانية في اليونان.
وباستثناء الحالات «الإنسانية»، أصبحت سلوفينيا تســمح فقط بدخول المهاجرين الراغبين في طلب اللجوء في هذا البلد، وهم أقلية من بين 850 ألف شخص وصلوا إلى الجزر اليونانية السنة الماضية انطـــلاقاً من السواحل التركية للوصول إلى أوروبا الشمالية وخصوصاً ألمانيا.
وعد تركي
وعدت تركيا بتسريع تطبيق اتفاق إعادة المهاجرين الذي يعود إلى العام 2002 وينص على أن تعيد إلى أراضيها المهاجرين «لأسباب اقتصادية» لإبعادهم لاحقاً إلى الدول التي يتحدرون منها.
ينشر في «البيان» بترتيب مع شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين