يبدو أن إيران بدأت تدفع داخلياً ثمن سياساتها العنصرية والمتطرفة، فمع إقصاء عدد كبير من المرشحين الإصلاحيين ومن يطلق عليهم المعتدلون عن انتخابات مجلسي الشورى (البرلمان) والخبراء، وتقليص فرص هيمنتهم على المجلسين اللذين يسيطر عليهما المحافظون، تفجّر الخلاف بين التيارين المحافظ والإصلاحي، وسط ترجيحات باندلاع انتفاضة خضراء ثانية كما حدث بُعيد انتخابات الرئاسة 2009.
وفيما سيتوجه الإيرانيون إلى صناديق الاقتراع يوم 26 فبراير المقبل للتصويت في انتخابات برلمانية تحدد شكل سياسات الدولة الداخلية والخارجية، واصل مجلس صيانة الدستور المتشدد، وهو أعلى هيئة تشرف على الانتخابات، إقصاء الإصلاحيين والمعتدليين، رغم استياء رئيس الجمهورية حسن روحاني واستنكار بعض الأوساط الدينية والسياسية الإيرانية.
مسلسل إقصاء
آخر حلقات مسلسل الإقصاء كانت رفض المجلس ترشيح حسن الخميني حفيد مؤسس الجمهورية، القريب من الإصلاحيين والمعارض لأي دور للجيش في السياسة، بينما وافق على ترشيح رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني المقرب من روحاني، والذي لا يمكنه اتخاذ موقف حاد ضد المرشد إلا بوقوف أصوات نافذة من رجالات الدين في قم معه.
الانتخابات مهمة ليس فقط لاختيار النواب، بل لاختيار أعضاء مجلس الخبراء المؤلف من 88 عضوا من رجال الدين، مهمتهم مراقبة عمل المرشد الأعلى، وهذا التصويت يكتسب أهمية خاصة لأن مهمة المجلس أيضا اختيار خلف لخامنئي الذي يعاني من سرطان البروستات في حال وفاته.
%1
مجلس صيانة الدستور بدأ يوظف صلاحياته لاستبعاد الإصلاحيين لصالح المحافظين، وهذا الأمر غذّى الصراع بين محوري رفسنجاني -روحاني وخامنئي -الحرس الثوري، كما كشف الفجوة المتسعة بين السلطتين، الدينية المطلقة والانتخابية.
وبحسب مراقبين، يبدو أن المجلس استغل الآن سلطته للرد على الاتفاق النووي بين الغرب وطهران، برفض طلبات أكثر من نصف المرشحين المحتملين البالغ عددهم 12 ألفا، كما رفض 99 في المئة من الإصلاحيين.
وقال المسؤول الإصلاحي حسين مراش إنه لم يُقبل سوى 30 مرشحا من أصل ثلاثة آلاف مرشح إصلاحي في أرجاء البلاد، أي نسبة واحد في المئة فقط.
حرب سياسية
ويرى المتابعون للشأن الإيراني أن رفض مرشحي التيار الإصلاحي بمثابة حرب داخلية معلنة، يقودها التيار المحافظ بتأييد من خامنئي والحرس الثوري، ضد التيار الإصلاحي الذي عاد إلى الواجهة مع انتخاب روحاني، والذي قد يحصل على الأغلبية المطلقة في البرلمان لو حصل على فرصته الكاملة، بعد نجاح الرئيس الإيراني في رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، وتبادل السجناء مع واشنطن، وصفقات شراء الطائرات الأميركية.
الرئيس الإيراني بدوره، شكك علانية في قرارات مجلس صيانة الدستور، موجهاً انتقادات قاسية للجنة المكلفة بتحديد أهلية المرشحين للبرلمان، وقال إنه «بيت الأمة، وليس بيت فصيل واحد».
انتفاضة ثانية
تهميش الإصلاحيين ليس وليد اللحظة، بل بدأ منذ إعادة انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في 2009، حيث نددت المعارضة بـ «تزوير» الانتخابات الرئاسية، وخرج أنصارها في احتجاجات تطورت إلى مواجهات دموية مع قوات النظام عرفت باسم «الانتفاضة الخضراء».
ومع ترجيحات باندلاع انتفاضة ثانية ونزول الإيرانيين إلى الشارع للتعبير عن رفضهم لقمع المحافظين للحريات، وربما عزوفهم عن المشاركة في الانتخابات، يبدو أن روحاني سيتبع استراتيجية مختلفة عن الزعيمين المعارضين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، اللذين يخضعان لإقامة جبرية بعد أن لجآ إلى الشارع في 2009، وتجاهلا إمكانيات الحرس الثوري في إجهاض أي حراك شعبي.
روحاني يراهن على تحالف رفسنجاني مع رجال دين نافذين لمواجهة خامنئي، الذي عبّر عن رغبته صراحة في ترشح المحافظين فقط. فيما هدد رجال خامنئي بردٍ منتقدين روحاني ضمنياً، بالقول: «هل من يمهد للفتنة سيوقفها؟».
نتائج محسومة
وفي خضم هذا التوتر، يعتبر مراقبون أن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً لصالح المحافظين، وأن تفاقم الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين ما هو إلا محاولة لتقاسم المكاسب والنفوذ.
وبحسب المراقبين، لم يكن روحاني ليفوز بالانتخابات الرئاسية لولا رغبة خامنئي في أن ترتدي ولاية الفقيه قناع الإصلاحيين لتخفيف حدة الاستهداف العالمي للنظام والتخفيف من عزلته الدولية، فيما ترجح مواقفه المتغيرة من الاتفاق النووي كفّة هذا الرأي.
انتقادات
تدار إيران عن طريق نظام حكم خاص بها يضم مجلساً تشريعياً ينتخبه الشعب، ويقوم على مبدأ فصل السلطات، إلا أن الكلمة الأخيرة في جميع إدارات الدولة تكون للمرشد الأعلى الذي يمتلك كل الصلاحيات. ويعتمد نظام الحكم على التعيينات بشكل كبير، فيما يمنح صلاحيات محدودة للمؤسسات المنتخبة، ما يغذي السجالات داخل المجتمع الإيراني. كما أن مجلس الخبراء بات محط انتقادات كثيرة على مدى العقود الثلاثة الماضية.