يصر الرئيس الأميركي باراك أوباما ومساعدوه، وهو يستعد لإلقاء خطاب حالة الاتحاد الأخير مساء اليوم، أنه لن يقنع بمجرد استهلاك الوقت في ما لا طائل من ورائه في السياسة الخارجية، وأنه سيتصرف بحسم لمعالجة الأزمات التي تتراكم في مختلف أنحاء العالم.

غير أن مسؤولين أميركيين سابقين وخبراء مطلعين على اتجاهات التفكير في البيت الأبيض يقولون إنه يركز على سياسات تهدف أكثر ما تهدف إلى احتواء مثل هذه التهديدات وتجنب تعميق الدور العسكري الأميركي في عامه الأخير في الرئاسة.

ويقول المسؤولون والخبراء إن هذا الموقف يكاد يضمن لمن سيخلف أوباما أن يرث أصعب التحديات الجيوسياسية. ومن المرجح أن يمنح ذلك وقوداً للمرشحين الجمهوريين للرئاسة الذين يتلهفون على استخدام مشاكل السياسة الخارجية لدى أوباما لمهاجمة أبرز المرشحين الديمقراطيين هيلاري كلينتون التي كانت وزيرة للخارجية في فترة ولاية أوباما الأولى.

وقد وسع تنظيم داعش نطاق نفوذه في الشرق الأوسط وخارجه وشن التنظيم أو مؤيدون له هجمات في الآونة الأخيرة في باريس وسان برناردينو بولاية كاليفورنيا.

كما أذهلت كوريا الشمالية العالم الأسبوع الماضي بإجراء رابع اختبار نووي. كذلك فإن مقاتلي حركة طالبان يحققون مكاسب في أفغانستان بينما تستمر الصين في استعراض عضلاتها مع جيرانها.

وما زالت روسيا تتصرف بلا رادع في الصراع الأوكراني، كما أنها تحدت النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بتدخلها العسكري في سوريا التي انتهزها منتقدو أوباما باعتبارها دليلاً على أن السياسة الخارجية تسير بغير دفة.

ويتفق معظم المحللين في الرأي مع إصرار مسؤولي الإدارة أن جانباً كبيراً من المشاكل العالمية تحركه قوى تتجاوز سيطرة أوباما.

لكن الخبراء يقرون أيضاً انتقادات من يقولون إن استجابة أوباما للأزمات اتسمت في كثير من الأحيان بالتردد، وإن أخطاء سياسته إما كانت سبباً في تأجيج الصراع أو لم تفعل شيئاً يذكر للحد منه في أماكن مثل سوريا والعراق وأوكرانيا.

وقال آرون ديفيد ميلر المستشار السابق في شؤون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية «هذا رئيس عازف عن المخاطرة يرسم خطوطاً حمراء لا يطبقها. ولا يوجد ميل للمبادرات البطولية فيما تبقى من وقت».

وكان أوباما تولى منصبه عام 2009 وسط تهليل أنصاره له باعتباره زعيماً إصلاحياً ووسط تعهداته بإعادة القوات الأميركية من الحروب الطويلة التي لا تحظى بتأييد بين الشعب الأميركي في كل من العراق وأفغانستان.

وفي أول خطاب له وعد الرئيس الأميركي بالمساعدة في بدء «عصر جديد من السلام» بما في ذلك التواصل مع المسلمين الذين استعداهم ما رأوا أن سلفه جورج دبليو بوش ارتكب من فظائع في الحرب العالمية على الإرهاب.

وبعد بدء الانتفاضات التي هزت العالم العربي استغل أوباما خطاب حالة الاتحاد عام 2011 في الإعلان عن تأييده «للطموحات الديمقراطية لكل الشعوب». لكن الربيع العربي أخذ منحى بغيضاً منذ ذلك الحين ليواجه أوباما مزيداً من الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط دون أن يتحقق شيئاً من الطموحات الديمقراطية.

عقبات هائلة

تبين استطلاعات الرأي الحديثة أن أكثر من نصف الأميركيين لا يقرون أسلوب أوباما في تناول السياسة الخارجية، كما أن ثلثهم غير راضين عن رده على تنظيم داعش والتهديد الإرهابي.

وتنفي إدارة أوباما نفياً قاطعاً أنها أصبحت تقنع الآن باحتواء الصراعات التي تبدو مستعصية على الحل. وللدلالة على ما حققته الإدارة من نجاح يمكنها أن تشير إلى الاتفاق النووي التاريخي الذي وقعته مع إيران، وكذلك الانفتاح الدبلوماسي التاريخي على كوبا واتفاق التغير المناخي الدولي.

وقال مسؤول إن كل هذه الإنجازات ستحظى بالإشارة إليها على الأرجح في الخطاب الذي يلقيه أوباما اليوم. كذلك أبرم أوباما اتفاقاً مهماً للتجارة مع منطقة آسيا والمحيط الهادي، لكنه يواجه معركة شاقة من أجل نيل موافقة الكونغرس عليه.

وبما يتعلق بالعام المقبل ترك أوباما الباب مفتوحاً أمام استخدام سلطاته التنفيذية لتحقيق وعده القديم بإغلاق سجن غوانتانامو العسكري وربما يتصرف أيضاً من تلقاء نفسه لتخفيف الحظر الاقتصادي المفروض منذ نصف قرن على كوبا. وقال المسؤول الكبير بالإدارة «الرئيس سيركز على نهاية قوية لبرنامجه في السياسة الخارجية. هذه ليست سياسة احتواء حسب مدى علمي». ويصر أوباما أن هدفه هو تدمير تنظيم داعش في سوريا والعراق، لكن ثمة شكوكاً قوية أن تكفي سياسته لتحقيق ذلك.