يبدو المشهد السياسي في إسبانيا مشتتاً لأقصى درجة، بعد إفراز نتائج الانتخابات البرلمانية الإسبانية عن فوز مرير للحزب الشعبي اليميني، وتراجع تاريخي للحزب الاشتراكي، ما يمثل نقلة نوعية في تاريخ إسبانيا السياسي نحو مشهد أكثر تنوعاً تحلق فيه ملامح حكومة ائتلافية للمرة الأولى في تاريخها، لكنها ستكون، إن ولدت، هشة.
وفتحت في إسبانيا مطلع الأسبوع أبواب مرحلة جديدة سقط على أعتابها نظام القطبية السياسية، إذ تحطمت هيمنة الحزبين الرئيسين: الشعبي اليميني والعمال الاشتراكي اللذين تناوبا على السلطة، منذ العام 1978، فالحزب الشعبي، الذي خسر الأغلبية واكتفى بـ 28.7 في المئة من المقاعد، لن يكون قادراً على تشكيل حكومة، مهما يفعل، ومهما نسج من تحالفات صعبة وغريبة، وربما تتنافى مع مبادئه السياسية، وعليه فتبدو الانتخابات المبكرة هي «المضمون» الوحيد.
وبدلاً من الحديث عن الائتلافات الممكنة، يبدو الحديث عن الفشل المسبق لمفاوضات التحالفات وإعادة إجراء الانتخابات من جديد في مارس المقبل هو الأقوى، بينما البديل الثاني أيضاً هو انتخابات قبل موعدها مع فشل أي حكومة ائتلافية مفترضة، يتم صوغها فوق قواعد وحسابات سياسية صعبة.
إن اقتناص حزب بوديموس (نحن قادرون)، اليساري الراديكالي المناهض للتقشف، نسبة مهمة من المقاعد سيحدث اختلالاً كبيراً في التوازنات السياسية، التي حافظ عليها الحزبان الشعبي والاشتراكي العمالي في مختلف القضايا، التي تهم الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، وأيضاً في توجهات السياسة الخارجية. وإضافة إلى «بوديموس»، هناك حزب آخر جديد، يسمى سيودادانوس (مواطنون) حصل على 13.9 في المئة، ورغم أنه يمكن اعتباره من قوى اليمين، إلا أن توجهاته السياسية التي تجعل منه حزباً قريباً من المجتمع المدني ستؤثر كثيراً في قرارات البرلمان، وقد يكون من بين الأحزاب المشاركة في الحكومة.
وفي ضوء صعوبة المشهد، ترتسم ثلاثة احتمالات: الأول، جبهة يسارية، والثاني جبهة اليمين الوسط، والثالث، تحالف بين الحزبين التقليديين اليميني والاشتراكي رغم أن ذلك سيترجم إلى تمزق داخلي في الحزب الاشتراكي، وهو بالتالي احتمال ضئيل رغم عدم استحالته.
ولتشكيل حكومة ائتلاف يسارية يتطلب ذلك تحالفاً بين حزبه، وحزب بوديموس، وحزب اليسار المتحدة لتشكيل أغلبية 161 نائباً مع دعم الأقليات الأخرى. أما تشكيل جبهة يمينية فيتطلب تحالفاً بين الحزب الشعبي المحافظ اليميني، وحزب سيودادانوس، ويواجه هذا التحالف مشكلتان: فـ«سيوادانوس» ذو نشأة كتالونية ما يعني أن المفاوضات معه ستكون «مشبوهة» لجهة تقديم «الشعبي» تنازلات ما وحتى لو يحدث ذلك، كما أن إخراج هذا التحالف إلى العلن يتطلب «مباركة» الحزب الاشتراكي، عبر الامتناع عن التصويت في البرلمان، وعدم التصويت ضده.
وهنا يبدو أن الزعيم الاشتراكي بيدرو سانشيز هو من يملك مفاتيح تشكيل الحكومة الجديدة، سواء بالسماح للحكومة اليمينية باستلام مقاليد السلطة أو إظهار قدرة عالية على التحاور لتشكيل حكومة يسارية، وهو أمر صعب، مع إعلان حزب سيودادانوس أنه لن يؤيد أي حكومة تضم حزب بوديموس.
والخميس، ظهرت أولى بوادر هذه المهمة المستحيلة، إذ فشل رئيس الوزراء الإسباني المحافظ المنتهية ولايته ماريانو راخوي في الحصول على دعم الحزب الاشتراكي.
