أفرزت الاعتداءات التي أصابت باريس الجمعة تداعيات خطيرة على مستوى العلاقة بين الإسلام والغرب ولعل أبرز تلك التداعيات بروز موجة عارمة من الحقد والكراهية ضد العرب والمسلمين، ما يمثل ضربة قاضية لجهود أوروبا في احتواء أزمة اللاجئين سيما بعد العثور على جواز سفر لاجئ سوري قرب جثة منفذي الهجمات.
فيما يجهد الأوروبيون للتعاطي مع الأعداد المتزايدة من اللاجئين الذين يعبرون حدود بلدانهم، جاءت هجمات باريس لتعيد هذه الجهود الى الوراء بغلق الحدود وغلق الأبواب أبضا امام تدفق المهاجرين..
بحيث عادت من جديد تهم الإرهاب لتلصق بالمسلمين وتعود معها مشاعر الحقد والعنصرية التي عاشتها باريس في 7 يناير من العام الماضي بعد الهجوم على مجلة شارلي ايبدو، فكل لاجئ هرب من دمار الحرب سوف يواجه رعبا في بلاد أوروبية مختلفة كان يعتقد أنها ملاذ آمن له وحماية من جحيم الحرب في بلاده.
تطرف
وجاءت موجة التطرف ضد اللاجئين والإسلام بعد24 ساعة فقط بعد هجمات باريس بحرق مخيم كاليه للاجئين شمال فرنسا. ولم تحدد السلطات المحلية بعد السبب الرئيسي للحريق، لكن وسائل الإعلام تشير إلى أنه كان متعمدا وجاء انتقاما للهجمات الانتحارية الإرهابية، علما أن نحو 6000 لاجئ يقطنون في هذا المخيم أغلبهم من سوريا وبلدان أخرى شرق أوسطية وإفريقية.
وفي برلين، أسس نازيون جدد وقوميون متطرفون حركة سياسية جديدة هذه السنة، تحت اسم: «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب» واختصارها «بيغيدا»، وسبقها تأسيس حزب «المبادرة من أجل ألمانيا»، على الأرضية السياسية ذاتها المعادية للاجئين والمهاجرين.
كما شهدت ألمانيا اعتداءات ضد طالبي اللجوء والمهاجرين مرتكبوها في الغالب من النازيين الجدد واليمينيين المتطرفين. وازدادت هذه الحوادث في الآونة الأخيرة حتى أن مراقبين يرون أن ألمانيا منقسمة اليوم الى المانيتين. فهناك من جهة ألمان يبدون تضامناً مع اللاجئين لم يُعرَف له مثيل من قبل. وأُطلقت مبادرات في انحاء البلاد لمساعدة طالبي اللجوء في حياتهم اليومية.
ومن غير الواضح كيف ستكون عليه الحال مستقبلاً في ظل تقاعس الحكومات الأوروبية عن وضع سياسات تردع تنامي الحركات والأحزاب القومية المتطرفة والنازية الجديدة، التي باتت تثير قلق المجتمعات الأوروبية واللاجئين على حد سواء.
عدم الخلط
وإذا كان زعماء وساسة الدول الغربية سارعوا إلى الدعوة إلى عدم الخلط بين الإسلام والإرهاب حتى إن إضفاء عبارات المدح والاحترام للإسلام ومبادئه قد أضحى يتكرر على لسانهم في كل خطاب رسمي فإن الإعلام الغربي يحاول في كل مناسبة تشويه صورة الإسلام بمحاولة إلصاق تهمة الإرهاب بديننا الحنيف..
حيث مثل العثور على جواز سفر سوري قرب جثث منفذي هجمات باريس أرضية خصبة لبعض الصحف المتطرفة للعب على الأوتار الحساسة للأوروبيين والدعوة الى وقف التعامل كليا مع ملف الهجرة خدمة للأمن في بلادهم وعدم السماح لأي لاجئ الدخول الى اوروبا بحجة انه يمثل تهديداً أمنياً.
تقارير أمنية
وبعد هجمات باريس فإن قرار استقبال اللاجئين السوريين في أية دولة أوروبية يتوقف خلال الوقت الراهن على تقارير أجهزة الأمن القومى، والدوائر المتخصصة في فحص أوراق الهوية وجوازات السفر، فهناك مخاوف كبيرة لدى العديد من الدول الأوروبية من تفشي ظاهرة الإرهاب فيها، عقب استقبال لاجئين على أراضيها في الوقت الراهن..
كما ان العديد من الدول أعلنت عدم استقبال المهاجرين السوريين الذين سوف يدفعون الثمن غالياً بعد هذه الهجمات خاصة أن بعض المحللين وبعض الجماعات اليمينية المتطرفة في أوروبا طالبت قبل هذه الهجمات بعدم استقبال المهاجرين السوريين لأنهم يرون أنّ هؤلاء المهاجرين يشكلون خطراً عليهم.
ومن المؤكد أن الجماعات الإرهابية ستستغل فرصة تهميش المهاجرين وإقصاءهم من المجتمع الأوروبي لتكوين خزانات يعاد منها ضخ الإرهاب لزيادة معاناة من عانوا منه، وأمام ذلك لا بد من إيجاد جهة متابعة أو آلية تتابع من خلالها المنظمات الإنسانية والإقليمية أوضاع اللاجئين منعاً لإعادة ضخهم كإرهابيين.
تبرئة
قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود إن دول الاتحاد الأوروبي يجب ألا تنقاد لردود الفعل الذميمة الداعية إلى رفض دخول المهاجرين في أعقاب هجمات باريس، مشدداً على أن مطلقي النار مجرمون وليسوا طالبي لجوء. ووجه مسؤولون بولنديون وسلوفاكيون ضربة لخطة إعادة توزيع اللاجئين بعد هجمات باريس واعتبروا أنها تؤكد المخاوف من استقبال اللاجئين المسلمين.
وقال كلود في مؤتمر صحافي علينا ألا نخلط بين الفئات التي تتوافد إلى أوروبا، مشيرا إلى أن المسؤول عن الهجمات مجرم وليس لاجئا أو ساعيا إلى اللجوء، وأضاف «أريد دعوة من يحاولون تغيير جدول أعمال الهجرة التي تبنيناه ألا ينقادوا لردود الفعل».

