في اليوم الذي صادف الذكرى الـ35 لانقلاب 12 سبتمبر 1980 العسكري في تركيا، عقد حزب العدالة والتنمية التركي مؤتمره السنوي في أنقرة لاختيار الهيئة القيادية، مع مفارقة في الولاء المعلن: الهتاف السائد داخل القاعة كان يلفظ اسم رجب طيب أردوغان المستقيل من الحزب، فيما بقي زعيم الحزب أحمد داود أوغلو يسير تحت ظل المؤسس المستقيل للحزب.

 النهج الذي قام الحزب بتسييره وتكريسه في المؤتمر على صعيد السياسة الداخلية مثّل انقلاباً ذاتياً في ظل الاستعدادات للانتخابات البرلمانية المبكرة مطلع الشهر المقبل: «الاستقرار أولاً» هو الشعار الذي رفعه الحزب في مؤتمره، وهو ذات الشعار الذي كان يكرره بكلمات أخرى في مؤتمراته السابقة والمتمحورة حول السلام.

الاستقرار في السابق كان يعني دمج الأكراد في النظام السياسي التركي عبر عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني وإبعاد الجيش عن السياسة. الاستقرار في التعريف الجاري لحزب العدالة يعني تفويض الجيش بإعلان الحرب على العمال الكردستاني وإخراج الأكراد من المشاركة في الحياة السياسية.

وتتقاطع مع هذا السيناريو عمليات تفجير تبدو موظّفة لإعادة الشرخ التاريخي بين الأكراد والنظام السياسي التركي، وكان آخرها تفجير أنقرة الذي استهدف تجمعاً مؤيداً للسلام نظمه أكراد ويساريون أتراك وأودى بحياة 128 شخصاً.

 عودة الجيش

 رصد الباحث التركي خليل كارافيلي في مقالة نشرها في صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، مؤشرات عودة الجيش لرسم سياسات الدولة التركية بتفويض من أردوغان: إثارة الاضطراب الأمني بشن حملة على الأكراد بما في ذلك محاصرة المدن عسكرياً وفرض حظر التجوال كما حدث الشهر الماضي في مدينة «جيزرة» (جزيرة بوطان).

وقوبل مقطع فيديو مصور ظهر فيه عناصر أمن أتراك وهم يسحلون جثة ناشط كردي بعربة عسكرية في مدينة شرناك غضباً واسعاً حتى في أوساط الكتلة المؤيدة لأردوغان.

 فرض سلطة العسكر في المناطق الكردية يعني نشر قوات عسكرية قرب صناديق الاقتراع في الانتخابات المبكرة المقررة في الأول من نوفمبر، والهدف ترهيب كتلة المصوتين الأكراد الذين منحوا صوتهم لحزب الشعوب الديمقراطي للمرة الأولى، بالتالي يأمل أردوغان أن يقلص من مقاعد حزب الشعوب عبر الاستعانة بالمؤسسة العسكرية.

ويتقاطع مع هذا التوجه التفجيرات التي تتعرض لها التجمعات السياسية الكردية، كما في أنقرة وسروج.

 عودة الذئاب بموازاة اتجاه أردوغان إلى إعادة المؤسسة العسكرية للمشاركة في تحديد سياسة الدولة عبر الحرب، نظم حزب الحركة القومية تظاهرات عنيفة أحرق خلالها عشرات المؤسسات التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي.

لم يدعُ أنصار حزب الحركة القومية فقط إلى الرد بقوة أكبر على حزب العمال الكردستاني، بل طالبوا علناً عبر الهتافات بـ«مذابح». وللمرة الأولى منذ سنوات يسمح حزب الحركة القومية لمنظمة الشبيبة ذات الطابع السري (الذئاب الرمادية) بالنزول للشارع واستعراض القوة.

 إضافة إلى إعادة الجيش والقوميين كذراعين لإعادة الوضع إلى ما قبل انفتاح حزب العدالة على الملف الكردي، فإن المحور الثالث في التغيرات الانقلابية التي يقوم بها الزعيم غير الرسمي لحزب العدالة، أردوغان، يتكامل مع العاملين الآخرين لتكتمل مظاهر نوع من الحكم الأوليغارشي المركّب.

ففي مؤتمر حزب العدالة، تم تبني قرار يلغي بنداً يمنع نواب البرلمان عن الحزب من الترشح لثلاث فترات انتخابية، ما يعني إتاحة المجال لبقاء شخصيات نافذة في مواقعهم، وهذا يأتي على حساب حيوية الحزب في إدخال وجوه جديدة.

لم يتخذ هذا القرار إلا لغاية تخدم أردوغان: الاعتماد على شخصيات أكثر قدرة على مساعدته في تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي. هناك إذاً طبقة سياسية أنتجها حزب العدالة لخدمة أردوغان، هذه الطبقة تضم شخصيات متنوعة نافذة في عالم المال والأعمال والإعلام، تحجب تجديد دماء الحزب.

 انقلاب ذاتي

 في الذكرى الـ35 لانقلاب 1980، لا تبدو تركيا بحاجة إلى انقلاب عسكري في ظل فتح أردوغان الباب أمام الجيش، فالحزب يقوم بالانقلاب على نفسه لتلبية تطلعات الرئيس. حينما كان حزب العدالة يقود التغيير ضد العسكر والقوميين والأتاتوركيين في 2005، وصف الكاتب التركي بوراك بكديل حينها بأن قصة نجاح أردوغان هي قصة نجاح الأتراك السود على الأتراك البيض. ومصطلح السود تعبير رمزي للدلالة على الأتراك المهمّشين.

لا يبدو الأمر على هذا النحو بعد مرور 14 عاماً على استلام الحزب للسلطة، فهناك طبقة مالية كبيرة نشأت خلال هذه السنوات. وباتت حواجز مالية ونخبوية ضخمة تفصل بين أردوغان والقاعدة الشعبية التي أتت به إلى السلطة، لتتحول الهيئة القيادية للحزب إلى ممثل للأتراك البيض الموالين لأردوغان.

 ذهب أحد مؤسسي حزب العدالة، والنائب السابق لرئيس الوزراء، بولنت أرينج، إلى أبعد من ذلك، حينما وصف حزب العدالة في وضعه الجاري بأنه تحول من حزب «نحن» إلى حزب «أنا»، في إشارة إلى أن الحزب بات في خدمة أردوغان، ويدفع ثمن هذا النهج.