الأرقام التي تتوالى كل يوم حول تدفق اللاجئين إلى أوروبا، والأحداث المأساوية التي تترافق مع ذلك، وردود فعل الدول والمجتمعات الأوروبية، تؤشر ليس فقط على حجم الكارثة الواقعة في بلدان المهاجرين، بل كذلك على حلم الأمان الأوروبي الذي يتحصن بالقوانين المشددة على الحدود الخارجية، مقابل التساهل في التعامل بشأن الحدود البينية.

لقد اتضح في الأثناء، أن أوروبا التي لم تنتبه أن حدودها تتصل ببؤر الأزمات، استقبلت من طالبي اللجوء أكثر مما تتحمله في عقود، وأن التساهل في الحدود البينية كان وسيلة دول أوروبية طرفية لتفريغ حمولتها الزائدة من اللاجئين في دول أوروبية أخرى «داخلية».

اتضح كذلك، أن البر ليس الحدود الوحيدة التي تربط أوروبا ببلدان الأزمات، فالبحر كان أول طرق الهجرة إغراءً، وربما لا يزال الأكثر استخداماً للوصول إلى «بر الأمان» الأوروبي الموعود.

وتؤكد الأحداث بما يتعلق بالهجرة أن أقدام اللاجئين المتعبة أسرع من قرارات السياسيين الأوروبيين، الذين يشتعل بينهم خلاف على استقبال اللاجئين.

واتضح في سياق هذه الأحداث المؤلمة أن البيت الأوروبي المحصن بالأبواب السميكة من القوانين، مليء بالنوافذ المهترئة التي يستطيع من يريد أن يدخل منها؛ ويتوجب على المسؤول الأوروبي المتشدد الذي وصف تدفق اللاجئين بـ«الغزو» أن يفكر ابتداء بحقيقة المصلحة الأوروبية في السكوت على انهيار الاستقرار في دول الجوار.

بالطبع، «العنصرية» التي تشع من هذا التصريح الأوروبي المنفر، فيها حقيقة تقلق أوروبا منغلقة، فالمهاجرون الذين كان وجودهم يثير في السابق لغطاً كبيراً في أوروبا، لم يشكلوا في واقع الأمر كل ذلك «التهديد»، الذي يستحق اثارة قضايا وأزمات مثل بناء المساجد والحجاب وأزمة الصور المسيئة.

ابتداء، لأن المهاجرين الأوائل لم يكونوا ظاهرة مفاجئة، كما حالهم مع لاجئي اليوم. بمعنى أنهم جاؤوا فرادى، وضمن السياق الأوروبي المسموح به، وهم بالتالي مضطرون لتقبل الثقافة الأوروبية والتعايش معها، بينما لاجئو اليوم يأتون جماعات، وهم يكونون خلال رحلتهم الطويلة المضنية «مجتمعا» خاصاً، ولن يكون من السهل إرغامهم على الاندماج في المجتمعات الأوروبية دون أن يحدثوا تغييراً في ثقافتها.

وتالياً، إن المهاجرين الأوائل كانوا يدخلون البلدان الأوروبية بعد توافر الشروط الأوروبية، وكان يتم انتقاؤهم، وضمان توافرهم على معايير الحد الأدنى، ومنها المستوى الثقافي وربما القدرة على العمل الكفء، بينما أوروبا اليوم مضطرة إلى استقبال عشوائي لحشود من اللاجئين بلا ضمانات ولا أية معايير.

ويمكن أن يكون الخوف العرقي المتطرف مفهوماً، ولكنه غير مقبول؛ حيث يرى مدير منظمة الهجرة الدولية وليام لاسي سوينغ، أن منظمته ترى في أعداد المهاجرين الكبيرة واقعا لا مفر منه في ظل استمرار تراجع النمو الديمغرافي بدول أوروبا. ومتشددو أوروبا لا يريدون أن يروا أنفسهم أقلية في بلادهم.

في السياق، يجب أن نلاحظ فارقاً بين فكرة الهجرة، وفيها سعي إلى استقرار دائم، ومعنى اللجوء الذي يشير إلى البحث عن ملاذ مؤقت، لنكتشف أن حشود اللاجئين هم في الحقيقة مهاجرون، وفكرة العودة ليست الأولوية الأولى في اعتباراتهم.

ومن هنا، فإن المجتمعات الأوروبية التي كانت متبرمة حيال المهاجرين، ستشتعل آجلا أم عاجلاً بالأزمات مع اللاجئين. والسؤال الأساسي، هو إلى أي حد تنوي أوروبا معالجة تقصير حكوماتها مع اللاجئين في بلدانهم وفي مخيمات اللجوء المحيطة لتتجنب تزايدا في التدفق، الذي يرى فيه بعض سياسييها «غزواً». وماذا ستفعل بشأن الإسهام بحل المشكلة الرئيسية التي تدفع اللاجئين إلى ترك بيوتهم وبلدانهم. وماذا ستفعل لاحقاً بشأن التعاون مع البلدان الأصلية في إنهاء ذيول الأزمات وتوفير بيئة مفتوحة على المستقبل تغري اللاجئين الذين اقتحموا حدودها بالعودة الطوعية إلى بلادهم.

2050

توقع مدير منظمة الهجرة الدولية وليام لاسي سوينغ استمرار استقبال طلبات اللجوء ووصول اللاجئين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا إلى أوروبا حتى عام 2050 على الأقل.