هل ساهم الإعلام الإلكتروني في محاربة الإرهاب، أم على العكس من ذلك، ساهم في ترويج التنظيمات الإرهابية وإبرازها كجهات أصحاب قضايا وأهداف محددة من حقهم الدفاع عنها؟ وإلى أي مدى استطاعت الدول وأجهزة الحكومات مقاومة ظاهرة انتشار الإرهاب في الإعلام الإلكتروني بعدما أصبحت معها مواقع التواصل الاجتماعي الإلكترونية أفضل الوسائل لتجنيد المزيد من الأفراد في مختلف أنحاء العالم للانضمام للتنظيمات والحركات الإرهابية؟
حول هذه الأسئلة وغيرها دار النقاش، في مدينة سوتشي في جنوب روسيا، في المؤتمر الدولي الحادي عشر، الذي عقدته الأكاديمية الدولية للإعلام، ومقرها موسكو، بحضور نخبة من الإعلاميين في مختلف مجالات الإعلام المقروء والمرئي والمسموع من مختلف دول العالم، وممثلو مراكز دراسات وجهات علمية وبحثية لها اهتمامها الخاص في مجال الإرهاب والتطرف، وتلقت «البيان» دعوة خاصة من الأكاديمية لحضور المؤتمر.
افتتح المؤتمر رئيس الأكاديمية الدولية للإعلام ورئيس التليفزيون الحكومي الروسي لسنوات طويلة أناتولي لوسينكو، الذي قال إن الإعلام الإلكتروني لعب ويلعب الدور الرئيسي حتى الآن في ظاهرة الإرهاب بمختلف أشكاله، وأشار إلى أن الإرهاب ظاهرة قديمة قدم التاريخ، لكن الإعلام هو الذي أضاف عليها الطابع الجماهيري، وجاء الإعلام الإلكتروني ليضيف لظاهرة الإرهاب المزيد من الانتشار، وقال لوسينكو إن الدول والأنظمة الحكومية أصبحت تتنافس مع الجماعات والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة على استخدام وسائل الإعلام الإلكتروني، ومن الصعب الحكم الآن أي الجهتين تفوق على الآخر في هذا التنافس، إلا أنه بلا شك، الإرهاب زاد انتشارا وقوة، بينما انكشف ضعف الدول في مقاومته، بما في ذلك القوى الكبرى، التي ذهبت مؤخرا للاتفاق والتنسيق معاً لمقاومة الإرهاب بعدما تبين استحالة نجاح جهة واحدة في مقاومته بمفردها مهما امتلكت من إمكانيات عسكرية وإعلامية أيضا.
دور الإعلام
ودارت جلسات مؤتمر سوتشي حول نقاط عديدة، معظمها حول دور الإعلام بشكل عام، والإلكتروني منه بشكل خاص في ظاهرة الإرهاب الدولي، وشغلت منطقة الشرق الأوسط، والدول العربية بشكل عام، ودول الخليج العربي بشكل خاص حيزا كبيرا من النقاش، حيث وصف البعض من الحضور المنطقة بأنها «المنبع والهدف»، أي أنها المنطقة التي جاء منها الحركات المتطرفة هي المنطقة التي يستهدفها الإرهاب بشكل خاص حتى الآن، واختلف البعض من الحضور حول هذا التوصيف للمنطقة، مشيراً إلى أنه لولا الغرب ومصالحه وتوجهاته لما ظهر الإرهاب في هذه المنطقة ولا شهدت الدول العربية هذه الهجمة الشرسة من التنظيمات الإرهابية.
وذهب البعض في المؤتمر إلى أن وسائل الإعلام الإلكتروني ساعدت بشكل مباشر على الترويج للإرهاب وانتشاره بالشكل الذي بات معه الإرهاب بشكل عام مجالا وجهة للبحث عن عمل للكثيرين، ليس فقط للمتطرفين دينيا وعقائديا وأيديولوجيا، بل أيضا للكثيرين من العاطلين عن العمل والمحبطين اجتماعيا ونفسيا.
غياب الاتفاق
وأكد الحضور في المؤتمر على أن المشكلة الرئيسية تتمثل في عدم اتفاق المجتمع الدولي على مفهوم واحد للإرهاب، وكل من الأطراف الدولية يفسر الإرهاب وفق مصالحه الخاصة، فما تعتبره واشنطن إرهابا وتطرفا، تعتبره موسكو شكلا من أشكال النضال والمقاومة، وما تعتبره واشنطن كفاحاً ونضالاً أقليات من أجل الحرية والاستقلال تعتبره موسكو وغيرها إرهابا وتطرفا.
وأشار الحضور في المؤتمر إلى أن الإعلام الإلكتروني أصبح وسيلة رئيسية في انتشار ظاهرة الإرهاب بعد أن باتت وسائل التواصل الإلكتروني بمختلف أشكالها متوافرة لكافة المستويات الاجتماعية والثقافية من الأغنياء والفقراء وغيرهما، وفي كل مكان في العالم ، وأصبح من السهل على التنظيمات الإرهابية الوصول لهذه الجهات والتواصل مع الأفراد كل على حدة بلا قلق أو خوف.
المشاركون في المؤتمر أيدوا التحالفات الدولية الإقليمية ضد الإرهاب، وخاصة التحالف ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، والتحالف العربي ضد المتطرفين المتمردين على الشرعية في اليمن، وطالب الحضور بالمزيد من هذه التحالفات ودعمها، والكف عن التشكيك في أهدافها وفاعليتها، خاصة من الجهات التي تثير ضجيجا دون أن تقدم شيئا مفيدا وفعالا على أرض الواقع.
ظاهرة اللاجئين
وأثار البعض في المؤتمر النقاش حول ظاهرة اللاجئين الهاربين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، وتساءل البعض، كيف تجمع الآلاف من الناس في وقت واحد في مكان واحد متجهين في اتجاه واحد، مثل هذه الظاهرة ما كانت لتحدث في غياب وسائل اتصال حديثة متوافرة في أيدي الجميع، من خلالها تخاطب جهات خفية هذه التجمعات، وتدعي أنها جهات خيرية وإنسانية، وتطلب من الناس الزحف نحو أماكن محددة في أوروبا وغيرها، واعدة بأنها ستلتقي بهم هناك وتوفر لهم وسائل العيش الكريمة، وهناك يبدأ نشاط التنظيمات الإرهابية في تجنيد العشرات من هؤلاء الهاربين اللاجئين.
وأكد المشاركون في مؤتمر سوتشي أن الإعلام الإلكتروني الذي لعب دورا كبيرا في نشر المعلومات والصور والأفلام الحيوية حول ظاهرة الإرهاب وفاق في ذلك الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، بغض النظر عن سلبيات هذا الدور أو إيجابياته، بات الآن وسيلة هامة في انتشار الإرهاب، ولم تعد الدول بمختلف أجهزتها قادرة على مقاومة نفوذ وانتشار التنظيمات الإرهابية في الإعلام الإلكتروني، وبات السؤال المطروح هو كيفية مقاومة هذا النفوذ.
مراقبة
خلص المؤتمر الدولي الحادي عشر الذي عقدته الأكاديمية الدولية للإعلام إلى إمكانية استفادة الدول والأجهزة الأمنية الحكومية من مواقع التواصل الاجتماعي بشكل جيد بمراقبتها للتعرف، ليس فقط على أماكن تواجد وتمركز التنظيمات الإرهابية، ولكن أيضا للتعرف على التوجهات الفكرية والتنظيمية والتخطيطية لهذه التنظيمات من خلال مراقبة رسائلها وحوارها مع الجماهير عبر وسائل التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية.
