مشاهدة الجرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا

دمعت أعين «الرفاق» في «الحركة الشعبية لتحرير السودان» وجيشها، في ذروة نشوة الاستقلال، حسب تسميتهم المحببة والانفصال، برؤية أهل السودان الشمالي. «يا جنة عدن أرض اللبن والعسل، أرض النساء و الرجال الأشداء، احفظينا متحدين في سلام النيل وسكينته، وفي الجبال والوديان وثروتنا الضخمة، بالفرح والكبرياء، فليحفظ الرب جنوب السودان».

بدا المشهد في التاسع من يوليو 2011، واعداً بالكثير وقف يومها أمراء الدولة الوليدة ومقاتلوهم، برفقة ممثلين من دول العالم، على أنغام نشيد الاستقلال، الذي أوحت كلماته، ومعها وعود ولية خضراء، بأن «أرض الاماتونغ» الجديدة ستصبح ذات شأن عظيم في القارة المضطربة، وسيحصد أبناؤها ثماراً كانت الخرطوم تتلقفها من أفواههم الجائعة، غير أن المتمعن في منصة الاحتفال المكتظة يشهد أن تحت الطاولة وميض نار وأن الأمر لن يطول بأمراء الدولة ليعودوا من جديد لوصفهم القديم «أمراء للحرب».

وما حلت الذكرى الثانية حتى حلق «طائر الشؤوم» من جديد في تلك السماوات الملبدة طول العام بالغيوم وأمطرت السماء من جديد رصاصاً على رؤس قاطينها، الذين لم تبارح أصواته آذانهم إلا لخمس سنوات معدودات، اشتعلت الحرب ومعها الوساطات ومنذ العام 2013 دخلت إيقاد «قابلة الدولة الوليدة» في رحلات مكوكيه بين أحراش الجنوب وغاباته وقاعات فنادق أديس أبابا، وما وقع اتفاق إلا ليجهض وما قطع وعداً إلا لينفض حتى وصل مجموع المعاهدات التي أبرمت في السنوات الأربع الماضيات سبعة فشلت جميعها في إيقاف الحرب التي شردت ما لا يقل عن 3 ملايين جنوبي وقتل خلالها عشرات الآلاف بحسب تقديرات المنظمات.

عودة شمالاً

لاشيء هناك سيعود إلى طبيعته، كل شيء تغير الأحقاد تنتشر في كل مكان، الحرب يصعب إيقافها، لأن الدماء كانت غزيرة، القتل تم على الهوية، نعم عاد سلفاكير، ووقع على الاتفاق لأن الضغوط الدولية كثيفة ولكن من يظن أن المدافع ستصمت يكون واهماً، أربع سنوات لكنها لكنها تركت في النفوس حملاً لن تزيله عن كاهل هذا البلد أربعة قرون، هكذا يقول (كينج ماجوك لاشو).

وهو ينظف في بعض القطع الفنية التي يعرضها للبيع في أحد شوارع الخرطوم التي عاد إليها بعد غيبة لم تطول ، ويزيد بعنا كل شيء وذهبنا لأرض الجنوب كنا وكأننا ذاهبون إلى الجنة ولكن لم نهنأ حتى بالحلم بددوه وها أنا عدت إلى الخرطوم بعد أن تعذر العيش هناك.

عندما كنا هنا كانت قبيلتنا هي أننا جنوبيون لا شيء آخر ولكن ما إن ودعنا الشمال حتى اكتشفنا أننا لسنا جنوبيون وإنما نحن مجموعة قبائل وأعراق تغذيها الأحقاد نويورواي دينكاوي وشلكاوي، كثيرون كانوا يمثلون لنا الإلهام سقطوا في آتون الصراع سقطوا في امتحان القبيلة وامتشقوا السلاح ودعتهم أما للغابة متمرد وأما للجيش منافح عن مملكة الدينكا وأتيت للخرطوم فضلت قبيلتي الكبيرة «جنوبي» على تلك الصغيرة على الأقل هنا لن يقتلونني فقط لأني جنوبي ولكن هناك سيقتلونني لأني دينكاوي أو نويراوي.

أحلام مؤجلة

إن المحلل السياسي، دينق أجاي، لا يري ما يراه كنيج وبداً متفائلاً بأن السلام آت لا محالة وأن حلم «أرض اللبن والعسل» ليس مجرد كلمات في نشيد مستمد من أساطير قديمة. ويقول إن ما تقوم به جوبا حالياً مجرد مناورة، في سبيل تحقيق أكبر مكاسب من خلال التفاوض، لا سيما أن الجانب الآخر في أضعف حالاته بعد الانشقاق الأخير.

ويضيف أنه بأي حال لا يعتقد أن سلفاكير يخاطر بالمواجهة، لا سيما في ظل تدهور الوضع في الجنوب والتلويح بالعقوبات. وتمكن الوسطاء من إقناع سلفاكير بالعدول عن رأيه، الرافض للتوقيع على اتفاق السلام، فوقع بعد ضغوط لكنه قال «الاتفاق ليس انجيلاً لايمكن تعديله».