منذ أن انفصل جنوبيو السودان عن الوطن الأم، بثلث الأرض وثلث السكان مؤسسين دولة جديدة في 11 يوليو 2011 بذريعة التباين الإثني والثقافي، فإن الخلافات فيما بينهم لم تكف يوماً، بل تفاقمت بما أثبت أن ما بينهم من فجوة هي أعمق مما بينهم والشماليين.
حصدت حروب الثارات القبلية الآلاف وسط المدنيين وحدهم، في وقت وجيز وفي صورة مذابح جماعية أشد بشاعة مما فعله جيش الشمال سابقاً، خاصة ما بين قبيلتي الدينكا التي ينتمي إليها الرئيس سلفاكير ميارديت والنوير التي ينتسب إليها نائبه السابق د. رياك مشار الذي تحول إلى قائد للتمرد.
دول منظمة «إيغاد» الإفريقية، التي رعت مفاوضات السلام الشامل بما أفضى إلى اتفاقية نيفاشا بين الشماليين والمتمردين الجنوبيين في 2005 والتي مهدت لاستفتاء الانفصال لاحقاً، هم أيضاً يجدون أنفسهم اليوم أمام دور مماثل لتسوية الخلافات بين فرقاء الدولة الوليدة، وبالقدر ذاته يواجهون معضلة الخلافات الإثنية والتمرد على الدولة بقوة السلاح وبالنعرات العنصرية وقوداً للصراع، ويجابهون مزاعم التصفية العرقية وصلف المركز ومظالمه تجاه المهمشين من أبناء القبائل الأخرى، ومن عدم عدالة قسمة الثروة والسلطة وسلبيات الديكتاتورية..الخ وكأن التاريخ يعيد نفسه بحذافيره.
اتفاقية اديس
بعد جولات عديدة وفاشلة قادها الوسطاء الأفارقة بين حكومة جوبا والمتمردين عليها، رست السفينة على تسوية وقع عليها مشار قبل يومين، إلا أن سلفاكير ميارديت رفض التوقيع طالباً مهملة 15 يوماً لعرضها على حكومته التي اعتبر أعضاؤها الصيغة نوعاً من الاستسلام، ولا تضمن سلاماً، الأمر الذي يدل على عدم الرضا، خاصة أن سالفاكير هو رئيس الدولة وهو بالتالي المفوض المطلق والمسؤول عن تحقيق السلام في بلاده وهو كما يبدو يخشى من تصدع يطال صف مؤيديه.
وفي حال رفضت جوبا التسوية التي خلصت إليها واقتنعت بها كل الأطراف الإقليمية والدولية فضلاً عن المتمردين، أو حتى تحفظت على بند من بنودها وطلبت التعديل على نحو لا يقبله الموقعون، فإن ذلك سيعني تبدد الأمل في وقف الحرب الأهلية.
الدليل على أن الاتفاق الحالي الذي تبلور في أديس أبابا هو الفرصة الأخيرة لتسوية خلافات الجنوبيين يؤكده الموقف الأميركي الحازم والذي يلزم جوبا بقبوله دون شرط، خلال فترة المهلة التي طلبها ( 15 يوماً).
عصا العقوبات
وأعلنت مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس أمس أن بلادها تبحث في الأمم المتحدة فرض عقوبات على مسؤولي حكومة جنوب السودان في حال انتهاء المهلة دون التوقيع على اتفاق سلام مع المتمردين.
وكانت منظمة هيومان رايتس ووتش قد اتهمت الشهر الماضي القوات الحكومية في جنوب السودان بارتكاب جرائم حرب في مناطق يسيطر عليها المتمردون.
ونقلت المنظمة شهادة موثقة لناجية وحيدة وصفت فيها كيف اغتصب جنود الجيش ابنتها أمامها ثم أحرقوها.
ووصف دافيد بريسمان نائب المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة رفض حكومة جنوب السودان توقيع الاتفاق بأنه «بغيض».
وكان الصراع قد تفجر في شهر ديسمبر 2013 بعد أن اتهم كير نائبه المقال مشار بالتخطيط للانقلاب عليه.
وكانت اتفاقات سابقة لوقف إطلاق النار بين الفصيلين المتحاربين فشلت في إيقاف القتال الذي أودى بحياة الآلاف في جنوب السودان الأمر الذي أفضى إلى تدهور الأحوال الإنسانية ونزوح السكان وانتشار الأوبئة والمجاعة وسط السكان على مدى السنتين الخاليتين.
في ظل المعطيات السابقة، ماذا لو ضاعت فرصة السلام الأخيرة هذه، وعاد الجميع إلى الحرب مجدداً واتسعت دائرتها لتشمل قبائل (الشلك) والاستوائيين؟ ألا يصبح خيار العودة إلى الوطن الأم أقل ضرراً؟ أم أن انفصالاً آخر ينتظر الجنوب ثانية؟.
خيارات شمالية
انفصال دولة جنوب السودان عن شماله، لم يكن جذرياً على أرض الواقع، رغم أنه تم بشهادة دولية وعلى أساس استفتاء عام نال الغالبية المطلقة، حيث إن الحدود بين الدولتين لم ترسم بصورة نهائية، جراء الخلافات حول مواقعها، كما أن الدولة الوليدة تعد من أنماط الدول المغلقة، حيث لا تطل على البحر، ولذلك فإنها لا تجد بداً من الاعتماد على الشمال، وفوق ذلك فإن للجنوبيين حلفاء سياسيين وقادة مليشيات قدامى ينتمون إلى مناطق تقع اليوم في الشمال ولاتزال جوبا تدعمهم من أجل إزاحة حكم الرئيس البشير تمهيداً لعلاقات أفضل مع الجارة الأم، كما أن دولة الجنوب أصرت على الاحتفاظ باسم (السودان) الجنوبي.
