قبيل أيام صوت مجلس النواب الإيطالي على المشاركة في العملية العسكرية «يوناف فور ميد» ضد شبكات مهربي اللاجئين في البحر الأبيض المتوسط، إذ صوّت 272 نائباً لصالح القرار مقابل معارضة نحو 100 وامتناع 11 نائباً.

وتعتبر إيطاليا التي تتولى قيادة هذه العملية العسكرية للاتحاد الأوروبي بين كل دول الاتحاد الأوروبي الواقعة على البحر الأبيض المتوسط الأكثر اهتماماً بالأمر، لأنّها تتحمل العبء الأكبر لموجات اللاجئين لقربها الجغرافي، حيث تبعد جزيرتها لامبدوسا التي يتدفق إليها المهاجرون 130 كيلومتراً عن ليبيا، فضلاً عن وجود شركتها النفطية «إي.إن.آي» في الحقول الليبية.

وتعود فكرة مكافحة تهريب البشر عبر البحر الأبيض المتوسط إلى رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي ووزيرة خارجيته التي هددت بالتدخل العسكري في ليبيا لتدمير مراكب المهربين، فيما طالب رينزي نفسه في اجتماع المجلس الأوروبي في 23 أبريل الماضي، النظر في إمكانية إجراء عمليات تدخل مستهدفة ضد المهربين في ليبيا الذين حولوا البلاد حسب قوله إلى نقطة انطلاق للمهاجرين وطالبي اللجوء نحو إيطاليا ومالطا.

وطالبت إيطاليا أيضاً بنظام توزيع أكثر عدلاً للاجئين بين دول الاتحاد الأوروبي، وإقامة مخيمات لهم في ليبيا وإعادتهم إلى أوطانهم.

متطلّبات صعبة

وتقلّصت هذه الخطة لاحقاً، بعد أن أصبح واضحاً أنّ الاتحاد الأوروبي يحتاج قراراً أممياً لتطبيق ذلك، واتفاقات مع دول إفريقية ساحلية لإعادة المهاجرين.

وفي ظل الانقسام الحاد بشأن توزيع اللاجئين وفق ما اقترحته المفوضية الأوروبية، يمضي الاتحاد الأوروبي بعمليته العسكرية «يوناف فور ميد»، وقد أعلن في 28 يوليو الماضي عن الجهوزية الكاملة للمرحلة الأولى منها والتي تتعلق برصد ومراقبة شبكات المهربين عبر جمع المعلومات وتسيير دوريات في المياه الإقليمية، مع نشر أسلحة بحرية وجوية ودعماً لوجستياً، والبدء بعمليات مراقبة جوية «طائرات مراقبة بحرية، طائرات موجهة عن بعد ومروحيات» وعمليات تصوير للمواقع «رادارات وأقمار اصطناعية».

وتطرح تساؤلات عديدة الآن عن الكيفية التي ستتمكّن فيها هذه القوة من الانطلاق إلى مراحلها المقبلة، والانتقال من مرحلة المراقبة والدوريات والتجسّس على منظمات وشبكات التهريب المزعومة في شمال إفريقيا لا سيما ليبيا، إلى المرحلتين التاليتين اللتين تتطلبان عمليات صعود للقوارب وتفتيشها ومصادرتها، وصولاً إلى مرحلة التعطيل النهائي للقوارب التي يشتبه في استخدامها بغرض التهريب، لاسيّما وأنّ أي تفويض أممي وقبول للدول المعنية الساحلية بالعملية ما زال غير مؤكد، وهناك شكوك واسعة بشأن ذلك، في ظل اعتراضات ليبية وروسية للخطة.

عقبات عدة

وكان رئيس وزراء حكومة طبرق المعترف بها دولياً عبدالله الثني، في مقابلة مع «مايغرانت ربورت» في مالطا بتاريخ 3 يوليو 2015 قد صرح بأنّه لن يقبل بأي تدخل لوقف المهربين أو المهاجرين غير الشرعيين، إلّا تحت إشراف وتوجيه وتنسيق الحكومة المشكلة حديثاً وسيطرتها.

وأوضح الثني الذي طالب بقوة حفظ سلام في المقابل، أنّ «قوة حفظ سلام شرعية متفق عليها من قبل الحكومة شيء، وهذه القوة التي ينبغي أن يذكر على وجه التحديد عددها والحدود الموضوعة لها وكيف ستعمل وما ستقوم به داخل البلاد»، مضيفاً: «هذا يعارض مع ما تدعون إليه بشأن السماح للاتحاد الأوروبي بدخول المياه الوطنية والقيام بما يريده من دون معارضة من قبل الليبيين».

 والاتحاد الأوروبي يحاول تجنب اي تشويش على العملية السياسية ويدعم جهود المبعوث الأممي برنارد ليون للتوصل إلى اتفاق يمكن أن يؤدي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا.

انتقادات حادة

وإلى جانب العراقيل السياسية، وجهت انتقادات حادة على المستوى الرسمي والشعبي إلى هذه الاستراتيجية التي تبنتها السلطات الأوروبية لمواجهة موجات اللاجئين عبر البحر المتوسط، والتي تتشكل في جزء أساسي من عملية عسكرية تتبع أسلوب عملية أتلانتا البحرية للاتحاد الأوروبي لمكافحة القرصنة في القرن الإفريقي وغرب المحيط الهندي. ويقول المراقبون إن «القبض على القراصنة في المحيط الهندي شيء، وهزيمة الشبكات التي من خلالها ينقل المهربون المهاجرين من شمال أفريقيا شيء آخر».

وأثار الكشف عن خطط لعملية إغراق للسفن المخاوف بشأن مستوى غير مقبول من العنف والضرر الجانبي ضد أشخاص ليسوا قراصنة، وهو ما أقرّ به مفوض الاتحاد الأوروبي، إذا انتقلت العملية إلى المرحلتين الثانية والثالثة. وأفيد عن أنّ النقاشات في مجلس الأمن تدور الآن حول معنى كلمة التخلّص من السفن والتعريف القانوني لكلمات مثل مهربين ومتاجرين بالممنوعات، وهذان يقعان خارج نطاق القانون الدولي الكلاسيكي على عكس كلمة «قراصنة».

قضية أمنية

وتعامل المجلس الأوروبي مع القضية كقضية أمنية دفاعية تقتضي بذل الجهود المنهجية لتحديد السفن والقبض عليها وتدميرها قبل أن يجري استخدامها من قبل المهربين، فيما ترى بعض المنظمات الحقوقية في ذلك انتهاكاً للقانون الدولي، ذلك أن التفويض الأممي الذي يسعى الاتحاد الأوروبي وراءه للمضي بعملياته العسكرية يتطلّب وفقاً للمادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة أن يكون هناك تهديد للسلام، فيما قبول اللاجئين الهاربين هو واجب وفقاً للقوانين الدولية.