على الأخضر واليابس قضت الحرب الضروس في جنوب السودان، صراعٌ دامٍ لم يتح لهذه الدولة الوليدة التقاط أنفاسها بعد شهور فقط على انفصال تاريخي من «الوطن الأم»، لم يتوافق الساسة على قواسم وخطوط فاصلة تجنّب الدم وتصرف إلى التنمية التي أحوج ما تكون البلاد لها في لحظة فارقة لن يغفرها التاريخ لقادة سلّموا مصير ثمانية ملايين نسمة لكف المجهول.
لم يكن مفاجئاً إذاً أن يكون القول الفصل بيد المقاتلين، ويكون الرصاص سيّد الموقف وعلى كل الجبهات، وأن تفشل كل طاولات التفاوض التي جلس إليها الطرفان، لا سيّما في أديس أبابا التي ملّت قاعاتها وفنادقها ومطاراتها أيضاً من الوفود التي تحل وترحل دون نتائج.
أكثر من أربع سنوات على الانفصال، ولا توافق إلّا على العنف، أمرٌ يبرز مخاوف من سيناريو تفكّك محتمل بعد أن حوّل النفط نهارها إلى ليل حالك السواد وداء ينخر كالسوس في العظام الهشّة، ويفجّر تساؤلات حيرى عن وجهة القطار المجنون بعد الفشل الذريع في تشكيل دولة وأمّة موحّدة، ومصير الصراع الإثني على ضوء الانفراد بالسلطة، فضلاً عن آفاق الغد وتأثير ما يدور في دول الجوار الإقليمي.
لقد غذّى النفط الصراع في الدولة الوليدة وحوّله من صراع مع الشمال قبل الانفصال إلى حرب داخلية أكثر ضراوة ودموية وكارثية ربما، بما يعكس الواقع المرير من فشل النخب الحاكمة في الشمال والجنوب على حد سواء في توزيع الثروة بعدالة بين السودانيين.
عجز دولة
ويرى محلّلون أنّه «لا يمكن فصل اندلاع الصراع السياسي في الجنوب بين سلفاكير ومشار عن الحرب الدائرة حول السيطرة على موارد الدولة»، مشيرين إلى أنّ «حكومة الجنوب لم تكن قد امتصت بعد آثار هذا القرار الاقتصادية والمالية، حيث امتد الصراع الإثني ليشمل مناطق البترول في ولايتي أعالي النيل والوحدة، بما أدّى إلى تعطيل الإنتاج وفقدان عائدات ضخمة».
ويشير المحللون إلى أنّ «الدولة عجزت من جراء ما لحق بمواردها من خسائر فادحة عن دفع مستحقات وأجور الجنود، لتزداد المخاوف من فقدان السيطرة على آبار البترول واستفحال تجارة التهريب، وهو الأمر الذي دفع الصين إلى إصدار القرار 2155 من مجلس الأمن الذي يقضي بدفع قوات أممية تتكفل بحماية تلك الآبار، وهو ما حصل بالفعل في عام 2014».
صحوة أميركية
ومع زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التاريخية إلى كينيا وإثيوبيا، كان ملف جنوب السودان رئيساً في أجندته إن لم يكن متصدرها، إذ يبدو أن الولايات المتحدة قررت أخيراً التدخّل ووقف هذا الصراع عبر الضغط على الطرفين، وإجبارهما ربما على الإذعان والجنوح للسلم عبر تقديم تنازلات قد تصنّف في خانة المؤلمة، للتوقيع على اتفاق سلام يقاسم السلطة والثروة معاً بين المتصارعين، ويبدو أنّ الزيارة قد أعطت الضوء الأخضر للاتحاد الإفريقي لإنجاز المهمة في أسرع وقت ممكن.
قد يكون من مصلحة مواطني جنوب السودان أنّ أوباما في صراع مع الزمن لتحقيق إنجاز في بعض الملفات قبل مغادرته البيت الأبيض، وهو مزهو بالاتفاق النووي مع إيران، ويريد إنجازات أخرى ربما يكون سلام جنوب السودان في مقدمتها.
تجويع خصوم
نفى جيش جنوب السودان ما أعلنه المتمردون عن أن حكومة جوبا تفرض عليهم حصاراً، وتمنع وصول المساعدات، بهدف تجويعهم وإرغامهم على الاستسلام قبل محادثات السلام.
وقالت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة إن «هناك تضييقاً على وصول المساعدات حتى إلى مناطق باتت على شفير المجاعة»، لكن الناطق باسم جيش جنوب السودان فيليب أغير نفى تعطيل المراكب التي تعبر النيل للوصول إلى المناطق الشمالية التي تفتقر إلى الطرق البرية، وتوجد فيها مناطق يسيطر عليها المتمردون بزعامة نائب الرئيس السابق رياك مشار.
