لمشاهدة الغرافيك بالحجم الطبيعي اضغط هنا
بإقراره حزمة من إجراءات التقشف التي طالب بها الأوروبيون كشرط لبدء محادثات حول خطة إنقاذ بمليارات الدولارات لإبقاء الدولة التي على وشك الإفلاس داخل منطقة اليورو، يكون البرلمان اليوناني خفض الحرارة مع أوروبا ورفعها في الداخل.
الغريب أن التصويت في البرلمان جاء بعد استطلاع شعبي قال فيه أكثر من 60 في المئة من اليونانيين إنهم ضد مطالب منطقة اليورو الأوروبية التي ترهن مساعداتها لليونان باعتماد ما تسمى «إصلاحات»، وفي مقدمتها تتموضع حزمة من إجراءات التقشّف.
الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي وضع رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس في مأزق مع حزبه الذي عارض العشرات من نوابه إجراءات التقشف التي أقرت بدعم أحزاب المعارضة.
نتيجة التصويت لصالح الاتفاق تفتح الطريق أمام محادثات حول البدء في «خطة إنقاذ» ثالثة مع الشركاء الأوروبيين، لكن بعض المراقبين يرون أنها تترك في الوقت ذاته مستقبل حكومة تسيبراس اليسارية في حالة من عدم اليقين في أعقاب هذا الانقسام في صفوف حزبه، لكن مراقبين آخرين يرون في الأمر أزمة عابرة، لا سيما وأن مفاعيل الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي لن تظهر سريعا.
ويكفي من أجل رؤية المأزق الداخلي في اليونان أن نستمع لوزير الطاقة اليوناني باناجيوتيس لافازانيس وهو يقول إن اتفاق اليونان مع مقرضيها الدوليين غير مقبول ولا يرقى لطموحات حزب يساري كحزب سيريزا وحكومة تتعهد بالكفاح ضد إجراءات التقشف الاقتصادية.
وكان قادة منطقة اليورو توصلوا في الثاني عشر من يوليو الحالي إلى اتفاق يجيز بدء المفاوضات مع اليونان بشأن حزمة مساعدات ثالثة بقيمة تقدر بين 82 و86 مليار يورو على ثلاث سنوات، بشرط قيام أثينا بإجراء إصلاحات وهي زيادة عائدات الضرائب وترشيد الرواتب التقاعدية وتحرير سوق العمل. وعبر كثير من اليونانيين عن غضبهم بسبب إجراءات التقشف وبرنامج الإنقاذ الجديد الذي اتفق عليه، وقاموا بإحراق علم حزب سيريزا وسط أثينا.
ابتزاز
بعض الخبراء يرون في الأسلوب الأوروبي مع اليونان ابتزازاً يفاقم المشاكل ولا يأتي بحلول. أحد هؤلاء خوان بابلو بوهوسلافسكي، الخبير المستقل بالأمم المتحدة في شؤون الدين الخارجي وحقوق الإنسان الذي الذي دعا الأطراف المعنية على تقييم التأثيرات الكاملة لإجراءات التقشف المحتملة على حقوق الإنسان اليوناني وحاجاته الأساسية، إذ إن هناك مخاوف من أن تتسبب هذه الإجراءات بأزمة إنسانية في اليونان مثل نقص الأدوية والغذاء، والمس بالضمان الاجتماعي. وهناك خطر قانوني كبير بأن بعض إجراءات التقشف القاسية قد لا تكون متلائمة مع القانون الأوروبي والدولي لحقوق الإنسان، وفق الخبير الأممي.
خبراء روس يرون أن الأزمة بنيوية ولا تحل بإجراءات سطحية، ويعتقدون أن الدول الأوروبية، التي اجتمعت على الأسس الاقتصادية نفسها، غاب عنها أن لكل دولة واقعها واحتياجاتها التي تختلف عن الأخرى. فوفق بعض النظريات الاقتصادية، إذا كانت نسبة البطالة عالية في دولة ما، فإنها تلجأ إلى ضخ المزيد من الأموال في السوق، ما يسهم بخفض قيمة العملة، وبالتالي ينعكس إيجابياً على زيادة الصادرات وينعش قطاع السياحة، ويجذب الاستثمارات الخارجية. أما إذا كانت نسبة البطالة منخفضة، فإن تلك الدولة ستلجأ إلى ضخ أموال أقل والاحتفاظ بمخزون احتياطي أكبر، وبالتالي ترتفع قدرة الفرد الشرائية في هذه الدولة.
عدم قابلية
وحسب ما تنقل «روسيا اليوم» عن هؤلاء الخبراء فإن هذه النظرية غير قابلة للتطبيق في اليونان، لأن اليورو عملة مرتبطة بدول الاتحاد وليس باليونان وحدها. وللتدليل على أن توحيد اليورو لم يخدم وحدة الحال والمعيشة في أوروبا، يقول الخبراء إن الاقتصاد الألماني يتفوق على باقي اقتصادات إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وإيرلندا واليونان مجتمعة، وهذا يظهر نسبة الاختلاف العالية بين اقتصادات الدول الأوروبية. معنى هذا الكلام أن لليونان متطلباتها الخاصة، بسبب المشكلات التي تعترضها، وأبرزها صغر حجم الاقتصاد اليوناني (نسبياً)، وارتفاع نسبة الفقر.
بعد فوز اليسار في الانتخابات اليونانية الأخيرة، امتعضت الدول العربية وعبرت عن قلق ظاهر. هذه الدول نفسها كانت في حقبة الحرب الباردة في مواجهة الاتحاد السوفييتي والشطر الشرقي من أوروبا. من هنا يرى مراقبون أن هذه الدول لا يروق لها أن تسمح للتجربة اليونانية أن تنجح، حتى لا تصل «العدوى» إليها. ومهما يكن من أمر فإن المسار سيأخذ وقته لنتأكد من مصداقية ما قاله الكسيس تسيبراس، زعيم حزب سيريزا اليساري الحاكم أمام حشود رفعت الأعلام الحمراء، عندما أكد أن اليونان سوف تخيب آمال جميع رسل الشؤم التي تعول على الفشل.
4 حقائق
وصفت صحيفة “الغارديان” البريطانية، اتفاق قادة منطقة اليورو مع اليونان، بأنه غير منصف، مرجحةً فشله. وحددت أربع نقاط بشأن الحقائق الرئيسية للاتفاق:
أولاً، أنه تم التوصل إليه تحت الإكراه، فالحكومة اليونانية لا تريد هذه الصفقة، والشعب اليوناني صوّت بأغلبية ساحقة ضد حزمة أقل صرامة من التدابير.
ثانياً، سيكون هذا الاتفاق بمثابة الدواء المر في كل مكان آخر في منطقة اليورو.
ثالثاً، لم نحصل على اتفاق تقريباً، ومن الممكن أن ينهار أي ارتباط.
رابعاً: فحتى أولئك الذين يعتقدون بنجاح خطة التقشّف، مثل الألمان، ليس لديهم اليقين الكامل في مثل هذا النجاح.
