يمتلئ مسار العلاقات الأميركية الإيرانية بمنعطفات حادة لا تحمل ذكرى طيبة لأي من البلدين، فعلى الجانب الأميركي، فقد جاء غياب الشاه ليكشف ظهر الولايات المتحدة في المنطقة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى تغيير سياستها تجاه العراق نحو مزيد من دعم النظام البعثي الحاكم آنذاك، بينما ظلت واقعة احتجاز الرهائن الأميركيين في طهران، التي أنهت حكم الرئيس جيمي كارتر، ماثلة في الذاكرة الأميركية.

تكهنات

ورغم ذلك، فإن المسار الذي أخذته الأحداث بما يتعلق بالاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، والحيثيات التي أحاطت به، والأحداث التي تمور بها المنطقة، تدفع إلى التفكير بأثر هذا الاتفاق على العلاقات بين البلدين، من باب الاستشراف، وإن كان الاتفاق سيفضي إلى علاقات خاصة بين البلدين، ومدى انعكاس ذلك على المنطقة. بطبيعة الحال، يبدو من غير الواقعي الاعتقاد أن الاتفاق النووي فتح أبواب التفاهم بين الطرفين، أو من شأنه أن يقيم بينهما مساحات من المصالح المؤثرة الكفيلة بإحداث تحول جذري في علاقاتهما الثنائية.

فقدان ثقة

يجب أن نتذكر أن عمق فقدان الثقة التقليدي بين البلدين، ازداد في السنوات الأخيرة، وأضيفت إلى أسبابه المعروفة أسباب جديدة تتعلق بالدور الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومناطق أخرى.

ومن المؤكد، أن كل هذه الملفات تمثل أسباب عدم رضى أميركي، ومن شأنها أن تبدد أي فرصة يمكن أن يقدمها الاتفاق النووي لتحسين مستوى الثقة بين البلدين، إلا أن، صعود التطرف والجماعات المتشددة، بالمقابل، وفي ظل الظروف الراهنة يحتم على الولايات المتحدة وإيران ألا يكونا في حالة عداء، تمنع التعاون.

وبالطبع، من المرجح أن يتغير شكل العلاقة بين البلدين، وسيكون من الممكن رؤية تواصل حثيث يمثل امتداداً لما كرسته المباحثات النووية، مع تراجع للهجة العدائية؛ وهو ما يعني في واقع الحال قبولاً أميركياً بإيران ودورها في المنطقة، وهذا بمستوى ما لا يقل أهمية عن البرنامج النووي نفسه؛ ولكن هذا القبول لا يمثل انتصاراً بالمعنى المباشر، فالسياسات غير المتصارعة من الجانبين لم يكن لها أن تستمر إلى أجل غير مسمى، وكان لا بد من وضع نقطة في نهاية سطر الإنكار المتبادل.

توقعات

تأثيرات الاتفاق على المنطقة لا تحتاج إلى كثير اجتهاد، وتنحصر ما بين القلق من أي تحسن في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، واعتبار أن ذلك من شأنه أن يخل بالتوازن في المنطقة لصالح طهران؛ وبين اعتبار أن علاقات أفضل بين البلدين من شأنه أن يخدم المصالح المشتركة لجميع البلدان في المنطقة، وقد يفتح الطريق أمام تكوين تعاون إقليمي، وهذا من شأنه أن يعمل على خلق قوة موحدة للقضاء على عدو مشترك هو الإرهاب والتطرف.

وفي الخلاصة، فإن «الاتفاق» يرفع العلاقات الأميركية الإيرانية إلى مستوى القبول المتبادل، ولا يرشحها إلى مستويات تفاهم خاصة.