بعد مداولات شاقة لنحو أسبوعين، توصلت إيران والقوى الست الكبرى إلى اتفاق نووي تاريخي، يضع حدا للبرنامج النووي الإيراني ويضمن الطابع السلمي له، مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران. إلا أن الاتفاق يسمح بإعادة فرض العقوبات خلال 65 يوما إذا لم تلتزم إيران به، ما يفتح الباب أمام سيناريو التصعيد بين طهران وواشنطن، لاسيما في حال أفشل الجمهوريون واللوبي الصهيوني تمريره في الكونغرس الأميركي.

صعوبة التوصل إلى اتفاق نووي لم تكن تكمن فقط في بنود المفاوضات الممتدة منذ نحو عشرين شهرا، بل في المعارضة الشرسة الأميركية والإيرانية التي كان يعمل تحت ضغوطها وفدا البلدين.

«فيتو» برلماني

وضاعف انتقال هذه الضغوط إلى ساحات المجالس التشريعية في طهران وواشنطن من صعوبة التوصل إلى الاتفاق المنشود، كما أنه يهدد بعدم خروجه إلى النور من قبل الجانب الأميركي.

وصادق مجلس الشورى الإيراني مؤخرا على قانون يُلزم الحكومة بنيل موافقة البرلمان بشأن أي اتفاق نووي تُبرمه طهران مع القوى الغربية، وذلك في رد سريع على إقرار الكونغرس الأميركي، الذي يسطر عليه الجمهوريون المعارضون للاتفاق، الإشراف على أي اتفاق تتوصل إليه مجموعة دول (5 1) مع إيران.

ضوء أخضر إيراني

إلا أن الجانب الإيراني خرج من مأزق احتمال تأثير المعارضين على الاتفاق بتخويل مجلس الشورى مجلس الأمن القومي الأعلى الذي يترأسه رئيس الجمهورية حسن وروحاني، ويأتمر مباشرة بالمرشد الأعلى، صلاحية الموافقة على اتفاق وعلى اي عمليات تفتيش تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما قلل إمكانية تدخل جهات إيرانية في المفاوضات أو الاتفاق.

ورغم اعتبار البعض تصريحات المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي معارضة معلنة من مركز ثقل إيراني للاتفاق النووي. إلا أن مراقبين يصفونها بأنها مجرد زوبعة إعلامية معهودة من خامنئي، معتبرين أن تخويل مجلس الأمن القومي بإقرار الاتفاق أكبر دليل على رغبة طهران بتقييد أيادي المعارضة وإعطائه ضوءا أخضر لضمان تمريره، بما يضمن رفع العقوبات المفروضة عليها.

معركة في الكونغرس

بالمقابل، يُعطي قرار الكونغرس الأميركي الحق لأعضائه بمراجعة أي اتفاق نووي مع إيران ومناقشته خلال 60 يوما، وذلك في ظل خلاف حاد بين الجمهوريين والديمقراطيين حول بنود الاتفاق، ما يفتح الباب أمام معركة سياسية قد تعرقل فرص إقرار الاتفاق برمته، بعد إعلان الرئيس باراك أوباما إمكانية استخدامه «الفيتو» ضد مشروع القانون، الذي يهدد أبرز إنجازاته السياسية. غير انه يبقى بوسع الكونغرس رغم ذلك التغلب على الاعتراض الرئاسي في حال نقضه ثلثا الأعضاء.

كما وجّه مستشارون سابقون للرئيس الأميركي، من بينهم دينيس روس، في سابقة سياسية، خطابا مفتوحا طالبوا فيه بـ «اتفاق أقوى» مع إيران.

ويشكك كبير الأعضاء الجمهوريين في الكونغرس السيناتور ميتش مكونيل في إمكانية إقرار الاتفاق، قائلا: «أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية تمرير الاتفاق في الكونغرس»، معتبرا أن الاتفاق سيترك إيران دولة على أعتاب امتلاك قنبلة نووية.

اللوبي الصهيوني

أما إسرائيل، التي تعد القوة النووية الوحيدة غير المعلنة في الشرق الاوسط، فسارعت إلى فتح النار على الاتفاق. وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو إنه «خطأ فادح له أبعاد تاريخية»، معلنا التزامه بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

وبدأت رموز اللوبي الصهيوني جهودها السياسية والإعلامية للقضاء على الاتفاق، مستغلة قنواتها في التأثير على الانتخابات الرئاسية المرتقبة في 2016، واتهمت أوباما ووزير خارجيته جون كيري بالتخلي عن إسرائيل، وتعهدت بإسقاط الاتفاق في الكونغرس.

تصعيد متبادل

إن فشل الاتفاق هذه المرة ستكون له تداعيات كبيرة وخطيرة أكثر من فشل مفاوضات 2009، وستبدأ عملية تصعيد متبادل بين طهران وواشنطن، التي ستجد نفسها وحيدة في مواجهة إيران دون دعم غربي، ما قد يدفعها إلى فرض المزيد من العقوبات أحادية الجانب على إيران.

طهران بدورها، أعلنت مرارا جاهزيتها للتصعيد حال فشل الاتفاق، أو عدم اعتراف الكونغرس الأميركي به، تتمثل في تسريع البرنامج النووي، وتخصيب اليورانيوم لمستويات أعلى، وربما الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، والاتفاقات الأخرى المقيدة لأسلحة الدمار الشامل.

نقاط خلافية

من بين أبرز نقاط الخلاف التي أخّرت الاتفاق، وجعلته يفوت ثلاثة استحقاقات لإعلانه، مطالبة طهران برفع الحظر المفروض من قبل مجلس الأمن منذ عام 2006 على الأسلحة وعلى برنامجها الصاروخي فور التوصل إلى الاتفاق النهائي، ووتيرة رفع العقوبات الاقتصادية الأخرى، إضافة إلى مسألة تفتيش مواقع عسكرية في إيران، ومطالبة طهران بالإجابة عن أسئلة بشأن أنشطة سابقة مثل الشكوك بشأن اختبارها لصواعق نووية.