باستثناء التقدم الذي يحققه الأكراد في سوريا، تبدو الاستراتيجية الأميركية لمحاربة تنظيم داعش أمام طريق مسدود على صعيد إعلان البيت الأبيض عن إنجازات هذه الحرب. النقطة الوحيدة التي يقول فيها الأميركيون بفخر إنهم يحققون نجاحاً يتعلق بالمعارك التي تخوضها وحدات حماية الشعب الكردية ضد التنظيم.
خلال شهر مايو الماضي، طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تكثيف جهودهم في الحرب على التنظيم، وجاءت مساهمة إيطاليا لاحقاً في دعم غير معلن للقوات الكردية ضمن هذا الإطار.
خلط الأوراق
ينصب التركيز العربي في الدعم حالياً على القوات الكردية التي تخوض حرباً ضد التنظيم على جبهة تمتد 400 كيلومتر من الحدود مع العراق إلى عين العرب (كوباني)، وهو الأمر الذي يخلق مشكلات أكبر على صعيد خلط الأوراق الإقليمية، خصوصاً أن الحكومة التركية ترى تقدم القوات الكردية على داعش تهديداً مباشراً لها.
الافتراق بين الاستراتيجية الأميركية والرؤية التركية يتعمّق. كل الأطراف الإقليمية، بما فيها المنظمات والأحزاب، تتقاسم فراغ النفوذ الأميركي على الأرض.
تبدو تركيا أكثر المتضررين حتى الآن، مع قدرة محدودة على الأرض لتسيير سياسة تتطابق مع أمنها القومي، فهذه السياسة تصطدم مباشرة بالاستراتيجية الأميركية الهشّة، وهشاشتها لا تحتمل تعطيلاً بالحجم الذي ترغب فيه تركيا: شل قدرة القوات الكردية على محاربة التنظيم الإرهابي.
لكن المتغير الأبرز في تركيا ليس التلويح بإقامة منطقة عازلة بتدخل عسكري، بل عودة العسكر إلى واجهة الأحداث مرة أخرى بعد أن خفت صوت المؤسسة العسكرية طيلة حكم حزب العدالة والتنمية وتقلّص نفوذها في رسم السياسات.
لا يمكن فصل العودة عن سياق نتائج الانتخابات ومبروز ملامح أفول نجم حزب العدالة والتنمية، فللمرة الأولى، تعارض هيئة الأركان التركية توجه الحكومة والرئاسة في تركيا برسم سيناريو تدخل عسكري ضد الأكراد في سوريا، وإن كانت صيغة التدخل ستكون على شكل منع الأكراد من السيطرة على مدينة جرابلس الحدودية وليس الدخول في مناطق كردية.
تهوّر السياسيين
يتقاطع موقف رئيس الأركان التركي نجدت أوزيل مع الموقف الأميركي بخصوص ضرورة عدم زج تركيا بنفسها في أتون الحرب السورية، وهذا يعيد للأذهان طبيعة العلاقة الأميركية التركية قبل تولي العدالة والتنمية السلطة في 2002 حيث كانت المؤسسة العسكرية التركية الممر الرئيس للعلاقات مع واشنطن و«الناتو».
هذه المؤسسة تظهر اليوم في صورة مغايرة: ضبط تهوّر الطبقة السياسية الحاكمة في تركيا. للتعبير عن غرابة المشهد، وصف الكاتب التركي مراد يتكين موقف الحكومة والعسكر بأنه مشهد سوريالي: فالرئيس رجب طيب أردوغان، يترأس اجتماعات مجلس الأمن القومي، ويرفع لواء التدخل في الحرب الأهلية بسورية. ولكن الجيش يقاوم هذا المشروع.
هكذا تصبح المؤسسة العسكرية ذات التاريخ الحافل في التدخل بالحياة السياسية «صوت العقل» الذي يحمي تركيا من انزلاقات الحكومة التي تصطدم بالضرورة مع الطريقة الأميركية في إدارة الفراغ الذي تركته في المنطقة، حيث تملأ القوات الكردية جزءاً من هذا الفراغ، بينما ترى تركيا في التموضع الكردي على حساب داعش خطراً على مصالحها.
لكن، ما التكلفة المستقبلية لعلو كعب الجيش مجدداً؟
منطقة آمنة
كتب عبد القادر سيلفي، وهو كاتب عمود مقرب من الحكومة في صحيفة يني شفق الموالية للحكومة، أن تركيا تعتزم إقامة منطقة آمنة في سوريا على طول 110 كيلومترات وبعمق 33 كيلومتراً في جرابلس الواقعة حالياً تحت سيطرة تنظيم داعش. رويترز
