المسؤولون يتقدمون باستقالاتهم عادة حال الفشل والفضائح المدوية، وذلك إما بدافع من الضمير الأخلاقي والشعور بالمسؤولية وإما تحت ضغوط سياسية متزايدة يخشى أن تؤثر على حكوماتهم.
أما أن يترك وزير سيادي مهم منصبه لأنه يشعر بأنه مكروه من جانب رصفائه في دول أخرى لها علائق اقتصادية ببلاده، فهذا هو الجديد الذي ابتدره أخيراً وزير المالية اليوناني يانيس فارو فاكيس، بما يقدم مبرراً جديداً يضاف إلى أدب الاستقالات ذات البعد الأخلاقي.
فرغم أنه رهن استقالته في السابق بتصويت شعبه لصالح شروط الدائنين إلا أنه في أعقاب نتيجة الاستفتاء الرافضة بقوة للخطة، فاجأ الأوساط السياسية أمس الاثنين بإعلان استقالته من حكومة أليكسيس تسيبراس.
وأوضح فاروفاكيس على مدونته الإلكترونية أنه «بعيد إعلان نتائج الاستفتاء تبلغت بأن بعض أعضاء مجموعة اليورو والشركاء، يفضلون غيابي عن الاجتماعات، وهي فكرة رأى رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس أنها قد تكون مفيدة، من أجل التوصل إلى اتفاق. ولهذا السبب أترك وزارة المالية».
ورأى أن «نتيجة الاستفتاء الذي فاز به أنصار الـ«لا» بنسبة 61,31 في المئة لها قيمة مهمة مثل كل المعارك من أجل الحقوق الديمقراطية». وأضاف: «الشرعية الكبيرة التي منحت لحكومتنا يجب توظيفها على الفور في نعم لحل مناسب»، داعياً إلى اتفاق يتضمن إعادة جدولة للدين وتخفيف للتقشف وإعادة توزيع لصالح الأكثر فقراً وإصلاحات حقيقية.
فاروفاكيس البالغ من العمر 54 سنة، الذي ظل يعمل أستاذاً جامعياً يناهض سياسة التقشف الأوروبية يؤكد أخيراً موقفاً غريباً مفاده أنه سأتحمل باعتزاز كراهية الدائنين. والرجل كان قد اتهم دائني بلاده بالإرهاب، وذلك قبل يوم واحد من الاستفتاء على خطة الإنقاذ الدولية.
وقال فاروفاكيس في مقابلة مع صحيفة إلموندو الإسبانية، إن «مقرضي البلاد يريدون زرع الخوف في الشعب اليوناني». وأغلقت البنوك اليونانية أبوابها طوال الأسبوع الماضي، ووضعت قيوداً على سحب الأموال، من ماكينات الصرف الآلي.
وأكد فاروفاكيس أن ما يسمى ترويكا الدائنين يريدون دفع المواطنين لقول «نعم» للفوز في الاستفتاء، حتى يمكنهم إذلال اليونانيين. وأضاف: «لماذا أجبرونا على إغلاق البنوك؟ لزرع الخوف في المواطنين. ونشر الخوف يسمى إرهاب». وأوضح أن رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس سيكون بإمكانه الوصول إلى اتفاق مع الدائنين إذا خرجت نتيجة الاستفتاء بـ«لا».
ترى هل تقود هذه التضحية الفريدة من نوعها من جانب يانيس فاروفاكيس إلى ليونة منتظرة من جانب ترويكا خطة الإنقاذ ومن جانب زملائه وزراء المالية الأوروبيين، الذين يبغضونه شخصياً، ربما لأسباب أيديولوجية؟ وبمعنى آخر هل تمهد هذه الاستقالة الطريق من اجل استجلاب الـ240 مليار يورو التي وعد بها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإنقاذ بلاد الفلاسفة؟ هذا ما ستكشف عنه نوايا الدائنين وعواطفهم أيضاً.