بقليل حرية وكثير تصريحات مؤكدة على النزاهة والشفافية، عبرت الانتخابات الأثيوبية مرحلة الاقتراع إلى مربع إحصاء وفرز الأصوات تمهيداً لإعلان النتائج المعلومة سلفاً لشارع تلك البلاد المليئة بالتناقضات، فأثيوبيا في التعريف المنطقي للأشياء هي إحدى أفقر دول القارة الأفريقية مع عدد سكان يزيد على 70 مليون نسمة، وموارد قليلة وبنية تحتية في حال يُرثى لها بما في ذلك التعليم، ليس هذا فحسب فالبلاد ترزح تحت وطأة انتشار البطالة ومرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) الذي يهدد ملايين الأنفس في وقت تعجز فيه الدولة عن تلبية احتياجات مواطنيها، لكنها رغم هذا حققت أعلى معدلات النمو الاقتصادي بل تربعت على صدر دول القارة غير المنتجة للنفط بنسبة تصل إلى 10%.

لا شيء هناك مؤكد كل الإحصاءات والأرقام مشكوك فيها، الحكومة تطوع الأرقام طبقاً لما ترى، نسبة الفقر انتشار الإيدز وغيره من الأرقام لا تعني الحقيقة، كما في البلدان المتقدمة هكذا سطر «كبده أسرت» في صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» منتقداً حكومة بلاده التي خلفها وراءه بعد أن هاجر عبر رحلة خطرة واستقر به المقام في امستردام مثله مثل كثيرين من مواطنيه، ويعطف «كبده» شكوكه نسب أرقام الفقر على الانتخابات التي جرت الأحد الماضي، وأظهرت نتائجها الأولية فوزاً ساحقاً للائتلاف الحاكم منذ ما يقارب ربع قرن من الزمان، ويقول أسرت إن حتى تركيبة الائتلاف العرقية لا تتماشى مع واقع مكوناته فرغم انه يتشكل من أربعة تنظيمات تحمل اسم أكبر مكونات المجتمع الأثيوبي هي (الامهرا والتجراي والارومو وشعوب جنوب أثيوبيا) لكن تلك الأحزاب لا تمثل هذه المكونات حقيقة، فهي مجرد لافتات لأصحاب مصالح مشتركة بجانب أن هناك خمسة أقاليم مغيبة عن هذا الائتلاف الذي يمثل أربعة من تسعة أقاليم تكون هذا البلد المترامي الأطراف.

تنمية ورقي

غير أن الرئيس الأثيوبي وهو رئيس شرفي لا يملك أية صلاحيات تنفيذية يرى عكس ذلك ويقول في واحدة من مناسبات ظهوره القليلة إن «انتصار ثورة الشعب في الـ28 من مايو جعلت أثيوبيا في مصاف الدول الأسرع نمواً في العالم، وحولتها من دولة كان يرمز لها بالمجاعة والفقر إلى دولة رائدة في التنمية»، ويمضي في كلمة ألقاها إلى الشعب الأثيوبي بمناسبة الذكرى 24 لسقوط نظام الرئيس السابق منغيستو هيلاميريام ليؤكد أن الثورة خلصت أثيوبيا من نظام عسكري عبر تضحيات بأكثر من 60 ألفاً من المناضلين لأجل الحرية ضد نظام منغيستو العسكري الذي حكم البلاد 17 عاماً، مشيراً إلى أن الشعوب الإثيوبية أصبحت أكثر وحدة وتماسكاً بعد الثورة، ولم تدخل في حرب أهلية كما توقع البعض.

والجبهة الثورية بدأت حركة انفصالية في إقليم «تجراي» تحت مبرر رفع الظلم والاضطهاد القومي الذي كان يمارسه الإمبراطور الراحل هيلي سيلاسي ثم النظام الماركسي بقيادة الكونيل منغيستو على إثنية التجراي غير أن ميليس والملقب برجل أثيوبيا القوي والذي يعد أول رئيس من أثنية غير الامهرا سعى لبناء ائتلاف من المكونات الرئيسية بعد تنامي المعارضة لنظام منغيستو،ووصل لاتفاق مع مكونات معارضة أخرى وتم تغيير مسمى جبهة شعب التجراي إلى «الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية واستطاعت الإطاحة بالحكومة ودخول أديس أبابا.

تغيير شكلي

غير أن الجبهة رغم تغير مسماها واحتوائها على أعداد مقدرة من الذين ينتمون إلى قبائل أخرى ظلت مسيطراً عليها من قبل التجراي وهم المتحكمون بشكل قوي في معظم مفاصل الحكم، الأمر الذي ولّد حسرة عند منسوبي القبائل الأخرى وخاصة الامهرا.

ويقول خبير في الشأن الأثيوبي لـ«البيان» إن الخمسة وعشرين سنة الماضية شهدت تحولات كبيرة أوصلت رئيس الوزراء الحالي هايلي مريام ديسالين رغم انتمائه إلى أقلية صغيرة جداً في جنوب إثيوبيا.

ويضيف الخبير قائلاً، ينتمي هايلي إلى الطائفة البروتستانية، بينما ينتمي معظم المسيحيين في البلاد إلى الأرثوذكسية،وامتد حكمه إلى خمس سنوات وفاز حزبه بولاية جديدة تمكنه من خمس سنوات أخرى، وهذا يؤشر إلى أن أثيوبيا تذهب إلى حكم المؤسسات لا العرقيات، غير أن جيزن موسلي من مركز الدراسات البريطانية في شاثهام هاوس يرى خلاف ذلك ويقول إن كثيرين يرون في ديسالين شخصية رمزية تجسد جهود ميليس وقياديين من التجراي إلى إبراز ممثلي إثنيات أخرى.

وأكدت مجموعة الأزمات الدولية في تقرير، أن أصول هايلي مريام الإثنية تعتبر ميزة لأنه ينتمي إلى الأقلية ولا يتحدر من أورومو أو أمهرا. لكن المركز أبدى تخوفه من أنه قد تكون ترقيته تمويهاً في حين تحتفظ نخبة التجراي بالحكم، بينما قال برهانو نيغا المعارض المنفي وعمدة أديس أبابا سابقاً إن الأمر لا يعدوا تمويهاً فقط جبهة التجراي أرادت عبر ديسالين التغطية على خلافاتها الداخلية.

ولعل ولاية ديسالين الجديدة لن تعبر بهدوء كسابقتها باعتبار أن عواصف عدة تتلبد في سماء البلاد ليس في مقدمتها غضب الامهرا المتنامي ولا تكتلات بني شنغول في أقصى الجنوب على الحدود مع السودان بل وسط النخب المثقفة في عاصمة البلاد، إذ تتزايد العبارات الناقدة لحجب حرية التعبير والفشل في تلبية احتياجات المواطنيين.

احفاد الملوك

يعتبر الامهرا أنفسهم أحفاداً لملوك أثيوبيا وحكامها منذ بدء الخليقة، بل إن بعض أساطيرهم الشعبية تعود بهم إلى أنهم أبناء نبي الله سليمان، وأعلى من تلك الفرضية الإمبراطور الراحل هيلا سلاسي الذي وصل به الحد أن سمى نفسه «أسد يهوذا»، وهو الأمر الذي جعل الامهرا غير راضين عن سلطة التجراي المطلقة.