لطالما فاخر رئيس «فيفا» جوزيف سيب بلاتر بأنه زعيم أكبر منظمة في العالم وأهم من الأمين العام للأمم المتحدة نفسه. ومن هنا، يمكن فهم اهتمام وسائل الإعلام العالمية في الآونة الأخيرة بأخبار هذه الهيئة، منصباً على انتخابات «الفيفا» ومتجاهلاً الملفات التي كانت تتصدر نشرات الأخبار مثل المهاجرين غير الشرعيين وأحداث الشرق الأوسط.

لكن هناك حقيقة ثابتة لا يمكن لأحد إخفاؤها تتلخص في أن ما أوصل الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى هذا المستوى المؤسف من الانحدار الإداري والأخلاقي خلال الأعوام الماضية والذي رافق خاصةً انتخابات «الفيفا» التي كسبها بلاتر هي الطريقة التي يسيطر عبرها بعض الديناصورات والحيتان على منظمةٍ عمرها 111 عاماً وعدد الدول المنضوية تحت لوائها أكثر من تلك التي في الأمم المتحدة.

من المؤكد أن جول ريميه، صاحب فكرة كأس العالم ورئيس «الفيفا» بين 1921 و1954، لم يكن يتخيل أن يأتي يوم تزدحم فيه أروقة الاتحاد الدولي بهذا الكم الهائل من الفاسدين.

والمشكلة أن عقلية إدارة «الفيفا» تشبه إلى حد بعيد تلك التي تتحكم في المنظمات الدولية الأخرى مثل الأمم المتحدة نفسها: كثير من البيروقراطية والفساد وقليل من الفعل والشفافية. ولولا أن هناك «فيتو» في مجلس الأمن، لاستمر بعض الأمناء العامين في مناصبهم إلى الآن.

وتالياً، يبدو من المهم تغيير آليات انتخاب رؤساء «الفيفا» بالنظر إلى الطريقة المثيرة للشبهات التي انتصر فيها بلاتر قبل أكثر من أسبوع. ويمكن في هذا الصدد، على سبيل المثال، وضع حد لولايات رؤساء «الفيفا» كما في الأمم المتحدة التي لا يسمح لأمينها العام بالترشح لأكثر من ولايتين مدة كل منهما خمسة أعوام.

فهذا يجنب الجسم الكروي الدولي الصفقات المشبوهة تحت الطاولة وأساليب اللف والدوران التي ابتلي بها خلال فترتي جواو هافيلانغ وبلاتر اللذdن حوّلا كرة القدم إلى «بزنس» ومعرض تجاري.

موقف روسيا

ويبدو موقف روسيا المؤيد لبلاتر مثيراً للاهتمام وإن كان متوقعاً تماماً. فمن يدعم حركات انفصالية في أوكرانيا ويزعزع استقرار دول الجوار ويقف إلى جانب أنظمة تغرد خارج سرب الوفاق والسلم الدوليين في إيران وكوريا الشمالية وسوريا، لا يمكن إلا أن يصوت إلى جانب شخص متهم بإذكاء الفساد إن لم يكن متورطاً فيه، خاصة مع الأخذ بعين الاعتبار ما يحكى عن «طبخة» ما من أجل أن تنظم روسيا كأس العالم 2018.

ومن غزا جورجيا في يوم افتتاح أولمبياد بكين 2008 متجاهلاً عُرف «الهدنة الأولمبية» منذ أيام الإغريق يجب أن لا يمنح شرف احتضان المناسبة الكروية الأهم في العالم.

نموذج تطهير

وفي نهاية المطاف، لا بد أن تعيد حملة التطهير الشاملة التي أطلقتها وزارة العدل الأميركية المؤسسة الكروية الأكبر إلى أهلها وترجع ثقة الملايين بها وباللعبة الأكثر شعبية في العالم.

ومن المؤمل أن تكون باكورةً، أو على الأقل نموذجاً، لحملات مشابهة في غير منظمة دولية سواءً سياسية أو رياضية أو إنسانية أو اقتصادية لكي تستقيم الأمور في الهيئات التي تتحكم في مفاصل حياة البشر.

مارادونا

يعتبر نجم كرة القدم السابق الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا أول من تحدث عن فساد «فيفا» منذ مطلع التسعينيات. ويعتقد على نحو واسع أن اتهامه بتناول منشطات خلال كأس العالم 1994 والقضاء على مستقبله الكروي كان رداً على انتقاداته المتكررة لسيب بلاتر.