فعلها الرئيس الأميركي باراك أوباما أخيراً وقطع شوطاً مهماً من مخطط إعادة هيكلة دور الولايات المتحدة في العالم ونظرتها إلى نفسها وعقيدتها السياسية من خلال توقيع تفاهم لوزان بشأن البرنامج النووي الإيراني.

في الماضي، كان مجرد حضور مسؤول درجة ثالثة في الخارجية الأميركية اجتماعاً دولياً في قاعة واحدة مع نظيره الإيراني حدثاً يسترعي الانتباه. حينما وصل «السيد» الإصلاحي محمد خاتمي إلى الرئاسة في طهران منتصف تسعينات القرن الماضي، ابتعث نظيره الأميركي بيل كلينتون بنت بلده ذات الأصل الإيراني كريستيان أمانبور لتحاوره على شاشة «سي.إن.إن» مرتدية حجاباً خفيفاً..

وكرمته رئيسة الدبلوماسية الأميركية مادلين أولبرايت حينها بأن رفعت بعض القيود على استيراد الفستق والسجاد الإيراني. وما لبث أن رد الإيرانيون بباقات الزهور خلال مباراتهم والفريق الأميركي في كأس العالم لكرة القدم العام 1998.

اختلاف حقبة

هكذا فقط، بالفستق والسجاد والكرة والزهور اكتفت واشنطن وطهران بتبادل الرسائل الدبلوماسية اللطيفة ولم تتعمقا أكثر من ذلك، رغم أن أجواء تلك الحقبة كانت تسمح بالمزيد، فيما التوترات السياسية في المنطقة وارتداداتها المذهبية (أو العكس) على أضعف حال. فصدام حسين كان محاصراً في بغداد.. حافظ الأسد مشغولاً بتهيئة نجله للرئاسة..

الفلسطينيون والإسرائيليون يعيشون أجواء السلام.. تركيا تبحث عن حل نهائي مع أكرادها.. «القاعدة» لم يكشر عن إرهابه الجلي بعد.. وبالطبع، كان أبوبكر البغدادي لا يزال يدرس الشريعة في الجامعة وقاسم سليماني ضابطاً صغيراً في الحرس الثوري.

واليوم، يريد أوباما أن يستكمل ما بدأه زميله في الحزب الديمقراطي كلينتون وينهي حالة اللاحرب واللاسلم مع محور الشر بشكلٍ رسمي ولمرة واحدة وإلى الأبد ويقلب الصورة التي طبعت عنه بأن رئيس متردد غير ذي عزم.

استبدل أمانبور وحوارها مع «السيد» بسفيره في بغداد ستيوارت جونز الذي زار أضرحة «الأئمة» في النجف. وعوضاً عن الفستق والزهور، ينسق البلدان في غير مطرح وملفٍ أمني وسياسي حساس واستراتيجي.

نظرة الجمهوريين

كان الجمهوريون واضحين في طريقة تعاملهم مع إيران ما بعد 1979. فرونالد ريغان وجورج بوش الأب (1980-1992) وبوش الابن (2000-2008) أدركوا أنهم بصدد نظام سيسبب الكثير من المشكلات وبؤر التوتر في الشرق الأوسط ولم يأخذوا بما يحاول الديمقراطيون تسويقه عن «عقلانية صانع السجاد الفارسي» وأفضلية التعامل مع «راعي الإرهاب المنظم والمنضبط والموجه».

وبعيداً عما يقال عن «إيران غيت» في الثمانينات وتسليم كابول وبغداد للأميركيين بضوء أخضر إيراني مطلع الألفية، فإن أحداً لا يمكنه أن يصدق أن أجندة اليمين الجمهوري البروتستانتي تضمنت تعاوناً ولو مستتراً مع طهران أو حتى تفهماً لدورها في المنطقة.

يسار وتفاهمات

وفي المقابل، قيّد اليسار الأوروبي أوباما بجائزة نوبل للسلام بضوءٍ أخضر من الكنيسة الكاثوليكية. وسيد البيت الأبيض يعتقد أن اللقب الذي حصل عليه في بداية حكمه يسمح له بحصد الجائزة في نهايته.

وتالياً، طفق اليساران الأوروبي والأميركي يطبخان صفقة النووي مع البراغماتيين الفرس على نار هادئة وهما يفركان أيديهم شماتة بالساميين، وكأن طلاسم حوار الحضارات الذي طرحه خاتمي من قلب نيويورك ذات خريف، ونال مباركته إثر زيارةٍ للفاتيكان، بدأت تُفك للتو. ويُخشى أخيراً أن التركة الثقيلة التي سيتركها أوباما للرئيس المقبل بعد عام ونصف، حتى لو كان جمهورياً، لن تسمح له بالتملص من التفاهمات التي يستعجل أوباما رسمها فتغدو أمراً واقعاً لا فكاك منه بل ويبنى عليه.

الاعتراف بإسرائيل

قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إنه لا يمكن الطلب من إيران الاعتراف بإسرائيل في إطار الاتفاق النهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني، معتبراً أن «فكرة أن ربط عدم حصول إيران على أسلحة نووية في اتفاق قابل للتحقق منه باعتراف إيران بإسرائيل يشبه فعلاً قول إننا لن نوقع اتفاقاً حتى تتغير طبيعة النظام الإيراني تماماً».