رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما طلب إسرائيل بأن يتضمن أي اتفاق مع طهران حول برنامجها النووي اعترافاً إيرانياً بحق إسرائيل في الوجود، واصفاً الأمر بأنّه ينطوي على «خطأ جوهري في التقدير»، وأشار إلى إمكانية فرض العقوبات على إيران من جديد إن خالفت الاتفاق.. في حين كشفت مسؤولة أميركية أن إثارة التصريحات المتضاربة بشأن الاتفاق النووي تثير غضب واشنطن وطهران، بالتزامن مع تقارير إسرائيلية عن عمل تل أبيب في مسارين لإحباط صفقة إيران النووية أو تحسين شروطها.
واعتبر أوباما، في مقابلة مع اذاعة «إن.بي.آر» الأميركية العامة، أنّ طلب اسرائيل يتخطى اطار المفاوضات حول البرنامج النووي الايراني. واوضح ان «القول ان علينا الربط بين عدم حصول ايران على السلاح النووي في اتفاق يمكن التحقق منه باعتراف ايران بإسرائيل وكأننا نقول اننا لن نوقع اي اتفاق الا اذا تغيرت طبيعة النظام الإيراني بالكامل». واضاف: «هذا في رأيي خطأ جوهري في التقدير» في وقت يحاول اقناع الكونغرس بغالبيته الجمهورية بالاتفاق مع ايران.
العقوبات مجدداً
من جانب آخر، قال الرئيس الأميركي إنه يثق في إمكانية فرض العقوبات على إيران من جديد إن هي خالفت اتفاقاً يقيد أنشطتها النووية.
وعن العقوبات الدولية التي أعاقت الاقتصاد الإيراني: «نحن على ثقة كاملة في أن بوسعنا أن نفعلها ثانية»، ومشدّداً على أنه سيعاد فرض العقوبات إن تبين للمنظمة الدولية للطاقة الذرية أن طهران خالفت الاتفاق.
وذكر أوباما أن إبرام اتفاق نووي قد يساعد في تعزيز العناصر المعتدلة في ايران. وأردف: «إذا ظهروا في صورة من يحقق أهداف شعبه فمن المفترض أن يعزز هذا موقفهم في وجه بعض المحافظين داخل إيران».
سندافع عن الخليج
في الأثناء، بدا أنّ الإدارة الأميركية تسعى إلى تلطيف أقوال الرئيس أوباما إلى صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الاثنين عن «انعدام الخطر الإيراني»، فقال مستشار الرئاسة بن رودز ان إدارة الرئيس أوباما ستسعى إلى طمأنة دول الخليج بأن أميركا ستدافع عنها حال تعرضها لتهديد إيراني. وأكد أن العقوبات لن ترفع عن طهران إلا عندما تفي بتعهداتها الخاصة بشروط الاتفاق النووي.
وأضاف رودز في تصريحات لقناة «العربية» أن الاتفاق مع إيران لا يعني أن الولايات المتحدة غير قلقة أو غير معنية بأنشطة إيران المرتبطة بالإرهاب.
عمل إسرائيلي
ففي هذه الأجواء الملتبسة والخلاف الواضح بين الأميركيين وإسرائيل، قال مسؤول إسرائيلي إن إسرائيل تنوي العمل في مسارين خلال الأسابيع القليلة المقبلة لإحباط الصفقة النووية بين إيران والدول الكبرى أو لتحسين بنودها.
ونقلت صحيفة «هآرتس» عن المسؤول قوله إن إسرائيل ستحاول «حشد التأييد في الكونغرس لمشروع القانون الذي طرحه السيناتور بوب كوركير والذي يهدف إلى وضع عراقيل أمام توقيع الاتفاق».
وأضاف أنه «في الوقت نفسه ستواصل إسرائيل اتصالاتها مع البيت الأبيض لتحسين بنود الاتفاق».
تصريحات
إلى ذلك، قالت كبيرة المفاوضين الأميركيين في المحادثات النووية مع ايران ويندي شيرمان إن الولايات المتحدة وايران أثارتا سخط بعضهما البعض بسبب التصريحات المتضاربة بشأن اتفاق الاطار.
واضافت شيرمان، التي تشغل موقع وكيلة وزارة الخارجية الأميركية: «أظن أن كل طرف أثار غضب الآخر في بعض الأشياء التي قلناها... حتى لو كنا ناقشنا ذلك قبل أن نغادر ندرك أن رواياتنا ستكون مختلفة نوعا ما على الأرجح لكننا تعهدنا بأن نحاول ألا تتعارض مع بعضها».
ومن بين نقاط الخلاف موعد رفع العقوبات على ايران إذ قالت ايران إنها تتوقع تعليق كل العقوبات بمجرد أن يبدأ سريان الاتفاق. وقالت الولايات المتحدة إنها ستخفف تدريجيا وفقا لدرجة امتثال طهران. ورغم اختلاف الروايات قالت شيرمان إن هناك اتفاقا كبيرا بين الدول المشاركة في المفاوضات بشأن اتفاق الاطار. وأضافت أنه مع ذلك لا يزال هناك الكثير من العمل لاستيفاء التفاصيل بحلول مهلة 30 يونيو.
انتقاد
انتقد الرئيس باراك أوباما حاكم ويسكونسن سكوت ووكر وهو مرشح جمهوري محتمل في الانتخابات الرئاسية العام 2016 والذي تعهد بإلغاء أي اتفاق مع إيران في أول يوم له في المنصب حال انتخابه. وقال أوباما إنه إذا انسحب الرؤساء من الاتفاقات الدولية التي أبرمها أسلافهم فسيثير ذلك مشكلة لحلفاء الولايات المتحدة وسيجرئ أعداءنا».
وتابع أوباما قائلاً: «سيكون منهجا أحمق وربما يفكر ووكر بنفس الطريقة بعد أن تزداد خبرته في السياسة الخارجية».
رهان أميركي على تغيير سياسات إيران
في حملته للتطمين ولتسويق الصفقة النووية مع إيران، يقول الرئيس أوباما ما يفيد بأن من شأن الاتفاق النهائي مع طهران، لو تحقق، أن يؤدي إلى انفتاح هذا البلد على العالم والاحتكاك معه وبما يعزز الاعتدال الذي يقود إلى التغيير في التوجهات والسياسات. يعترف بأنه لا ضمان لبلوغ مثل هذه النتيجة. لكنه يبرر رهانه الضمني من خلال تقديمه على أنه عملية تجريب.
«إيران قد تتغيّر. إذا لم تفعل، فإن إمكاناتنا وقدراتنا العسكرية المتفوقة باقية في محلها ولن نتخلى عنها للدفاع عن أنفسنا أو حلفائنا. وفي هذه الحالة لماذا لا نختبر إيران؟»، على ما قال. «أميركا تملك من فائض القوة ما يمكّنها من المجازفة وتجريب هذا السبيل».
من البداية دخل الرئيس مفاوضات النووي على هذا الأساس. في اعتقاده أنه بالإمكان ضرب عصفورين بحجر: طي الملف النووي وبالتالي تسجيل «إنجاز» خارجي من العيار الثقيل. وفي ذات الوقت تأمين «التعاون» مع طهران في مواجهة أزمات المنطقة.
ومن البداية كانت هناك اعتراضات وتحفظات أميركية، خاصة من جانب الجمهوريين وسائر المحافظين، على مثل هذا الرهان. وقد استندت التحذيرات على سوابق السلوك الإيراني كما على واقعه الراهن في المنطقة.
في ظلّ هذه الأجواء جرى التوصل إلى اتفاق الإطار. أو إلى التفاهم حوله. نالت الصيغة من عدم الاعتراض السياسي والشعبي، ما عزز موقف الرئيس سياسياً وشعبياً. لكن التحفظات عارمة. حتى في صفوف المؤيدين. الكونغرس يعدّ للتدخل مع عودته من إجازته الأسبوع المقبل.
لديه مشروع قانون يؤكد وجوب مصادقته على الاتفاق النهائي، المتوقع إنجازه في أواخر يونيو رغم صعوبة التعقيدات الباقية. أصحاب هذا القانون يقدمونه كصمام أمان لمنع تقديم تنازلات خطيرة لإيران، مع أنه محكوم أكثر بحسابات سياسية وانتخابية.
يدعمهم في ذلك فريق نتنياهو في الكونغرس وخارجه، الذي يخوض الرئيس معركة مكشوفة ضده تؤازره في ذلك أطراف يهودية ومنها أعضاء في الكونغرس. الرئيس أوباما عازم على قطع الطريق على رقابة هذا الكونغرس. زعمه أن هذه الصفقة لو أبصرت النور، ليس اتفاقية مع واشنطن لتحتاج إلى مصادقة الكونغرس. هي اتفاقية دولية تشارك فيها عدة دول وبالتالي لا دور للكونغرس فيها يتعدّى التشاور معه بشأنها.
لكن في الواقع المسألة أبعد من ذلك. فالرئيس أوباما يبدو أنه لم يتزحزح عن تصميمه على فتح كوّة في جدار العلاقات مع إيران، مع ما يستتبع ذلك من توسع لدور طهران الإقليمي الذي يحاول فرض نفسه كأمر واقع. خشية المتحفظين أنه عندذاك، لا يسع واشنطن أن تتصدى لهذا الدور بحزم – هذا لو أرادت – لئلا يؤدي ذلك إلى تخريب العلاقة والاتفاقية. جلّ ما يمكن أن تفعله لن يتجاوز ضبط هذا الدور. بالأحرى إدارته من غير المسّ بحضوره.
وفي ذلك مقامرة كبيرة. النظام القائم في إيران اليوم «يصعب أن نتوقع انفتاحه» بالصور المطلوبة، كما قال وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر في مقابلة معه يوم الأحد الماضي. جهات أميركية كثيرة راغبة في تطوير العلاقات مع طهران. لكن حتى المتحمس منها يحذر من الاستعجال. ما يجري في العراق واليمن ضاعف المحاذير.
الإدارة تنفي أن يكون لأي صفقة مع إيران ملحقاتها الإقليمية. لكن لا ضمانات غير التطمينات. ليس في واشنطن من لا يدرك بأن الصفقة في صيغتها النهائية لن تكون أقل من عنوان لصفحة جديدة أميركية – إيرانية في المنطقة، بصرف النظر عن مدى التقارب أو التوتر في المدى القريب.
