00
إكسبو 2020 دبي اليوم

عودة روسيا بين طموحات القيادة ومتطلبات التاريخ

ذهب الاتحاد السوفييتي وبقي عموده الفقري

بوتين يتحدث بلهجة متحدية غير مسبوقة - أرشيفية

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، لم يتحدث رئيس روسي بمثل هذه اللهجة المتحدية التي يتحدث بها الرئيس فلاديمير بوتين تجاه الغرب الذي ظن لوقت ما أن انهيار الاتحاد السوفييتي كان نهاية العالم ثنائي القطبية..

وأن العالم كله أصبح سوقاً للرأسمال الغربي. بعد أقل من عقدين على انهيار الاتحاد السوفييتي، تبيّن أن حقبة بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا المنبثقة من رحم الاتحاد الذي تفكّك، لم تكن سوى غيمة عابرة في سماء العالم. ربما لم يعر القادة الغربيون كبير اهتمام لتصريح بوتين مطلع ولايته الأولى، عندما وصف انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين.

ربما اعتبروا أن ذلك التصريح مجرد حنين عاطفي لزمن مضى وانقضى، لكن كان عليهم أن يتوقّفوا ولو قليلاً عند دلالات تعليق صورة الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين في مكتبه في الكرملين.

ما يجري في هذه المرحلة، في حقبة بوتين – مدفيديف، يقول بوضوح إن العالم لا يستطيع أن يقف على ساق واحدة، لا سيما وأن روسيا كانت عموده الفقري، وكانت تمثّل نصيب الأسد من قوة وتكوين الاتحاد السوفييتي الذي تفكك، وهذا ليس كلاماً إنشائياً، بل هو معطى مادي ملموس مترجم بالقوة العسكرية والمساحة وعدد السكان الأكبر الذي كانت روسيا تمثّله في قلب الاتحاد.

ومهما كثر الحديث عن تفسيرات لعودة روسيا من قبيل القوة العسكرية والثروة النفطية والإمكانات الصناعية، لكن شخصية بوتين، ابن الـ«كي جي بي» كانت العنصر الأبرز في نهوض الدب الروسي، مع ضرورة عدم التغافل عن حقيقة أن مقوّمات الشخص لا يمكن أن تترجم إلى قوة دولة ما لم تملك هذه الدولة مقوّمات القوة ومؤهّلاتها.

اللغة العائدة

حتى خلال ولايته الأولى حين شنت روسيا حرب القوقاز ضد جورجيا دفاعاً عن أوسيتا الجنوبية وأبخازيا، كان بوتين محافظاً على لغة خطاب معتدلة إزاء الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث كان يستخدم تعبيرات من نوع «أصدقائنا» و«شركائنا». هذه اللغة باتت معدومة تقريباً الآن.

ينبغي التأمل مليّاً في آخر تصريحات بوتين المتحدية والنارية التي أدلى بها أخيراً، مع ملاحظة أن تصريحات زعيم الكرملين تسير في منحنى متصاعد اللهجة تجاه الغرب. بوتين قال إن باستطاعة روسيا أن ترد بطريقة مناسبة على كل ضغط خارجي. بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال: «واهم كل من يفكر بإمكانية تحقيق تفوق عسكري على روسيا أو ممارسة أي ضغط عليها..

نحن دائماً سنجد رداً مناسباً لمغامرات كهذه». وأضاف: «إن جنودنا وضباطنا أثبتوا استعدادهم لأداء مهماتهم بحزم وتنسيق عال ومهنية وشجاعة». وفي عودة للغة الحرب الباردة اعتبر الرئيس الروسي هذا التوجه ضماناً للتوازن العسكري العالمي، وهو نفس الدافع الذي كان سائداً في العهد السوفييتي.

تهديدات ساخنة

قبل عقدين من الآن لم يكن لأحد أن يتوقّع من مسؤول روسي أن يقول إن قوة الصواريخ الاستراتيجية الروسية جاهزة لتنفيذ هجوم نووي استباقي خاطف، وإنها ستعاقب أعداءها بضربات قوية ومؤثرة. صحيح أن رئيس القيادة المركزية الروسية حمّل تهديداته على منصة «الاستباقية» والدفاعية، لكنه تضمّن عودة متكاملة الأركان للغة الساخنة أيام الحرب الباردة، وإلا ما معنى قول هذا الجنرال إن القوات النووية الاستراتيجية الروسية يتم تجديدها بصورة مستمرة، وإنه بحلول 2020 سيتم تجديد 98% من تلك القوات، مشيراً إلى أن ستة آلاف شخص يقومون بهذا العمل على مدار الساعة.

دائماً كانت هناك هوّة بين الرغبات والواقع، وبين اشتهاء السفن والرياح، لكن الواقع نفسه بارع في تكذيب التوقّعات غير الواقعية، ذلك أن الأحداث تحرّكها موازين القوى وليست الرغبات.

ولولا هذا الإدراك الغربي لعودة روسيا نداً وصانعاً للوقائع المتشكّلة جيوسياسياً، ولاعباً فاعلاً في الملفات الإقليمية، ومعطّلاً لكثير من الأهداف الغربية، لما هربت قناة تلفزيونية ألمانية من الحديث عن هذا الواقع، للتركيز على ما هو شخصي ومفتعل، كزعمها أن بوتين أجرى «عملية شد وجه»، ولما انشغلت وسائل إعلام الغرب بصحة الرئيس الروسي كلّما تأخر ظهوره أمام وسائل الإعلام ثلاثة أيام.

50

لم تعد ملامح العودة للحرب الباردة محصورة بافتراق المواقف من الملفات الإقليمية، أو في مجرد أوتار تصريحات مشدودة، بل أصبحنا أمام عودة حقيقية لسباق التسلّح. وهذا تجسّد في الميزانيات الضخمة التي رصدتها موسكو في إعادة بناء قوتها العسكرية، ومن ذلك إعلان القائد العام للقوات البحرية الروسية أن السنة الحالية ستشهد انضمام نحو 50 سفينة حربية من مختلف الأصناف للجيش الروسي..

كما سيشهد هذا العام المباشرة في بناء عدد مماثل من السفن لاستلامها في المستقبل، ومنها تصميم روسيا حاملة طائرات لا مثيل لها في العالم يمكنها حمل 100 طائرة على متنها، ويمكن للطائرات أن تقلع من على سطحها حتى في حالة هيجان البحر.

طباعة Email