تسارعت مؤخراً الدلائل في واشنطن بشأن إمكانية عقد صفقة نووية مع إيران. والمؤشرات هذه المرة تبدو نوعية ولافتة. وما عزّز طابعها هذا أنه توالت بالتزامن تقريباً مع تلميحات إيرانية من ذات الصنف صدرت عن صاحب الحل والربط في طهران.
قد تكون كلها، من الجانبين، مناورات تقتضيها عملية المساومة، عشية الموعد المضروب في مارس المقبل للتوصل إلى اتفاق إطار قبل نهايته. لكن ظروفها وتوقيتها يسبغان عليها قدراً من الجدّية.
آخر هذه الإشارات صدرت قبل أيام عن الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال مؤتمره الصحافي مع المستشارة الألمانية انجلا ماركل في البيت الأبيض، عندما قال إن الحديث في الكونغرس عن عقوبات جديدة على طهران، « قبل شهر أو اثنين» من اكتمالها أمر ليس في محله، «إذ ليس هناك ما يستدعي العجلة». لم يسبق أن تحدث الرئيس بلغة السقف الزمني المحتمل لإنجاز مثل هذا الاتفاق.
مطالبات
في ذات الوقت تتزايد المطالبات في واشنطن وبالتحديد من جانب دوائر وأوساط يهودية أميركية، بأن يلغي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قبوله لدعوة رئيس مجلس النواب الأميركي لمخاطبة الكونغرس في أوائل مارس المقبل حول النووي الإيراني. والدعوة إلى ضرورة تراجعه ليست نابعة فقط من حرص هذه الجهات على تطويق مضاعفات الأزمة مع البيت الأبيض التي تسبب بها سعي نتانياهو للاستقواء بالكونغرس من وراء ظهر الرئيس.
بل أيضاً نابعة على ما يبدو من الاعتقاد بأن المفاوضات ربما صارت على قاب قوسين من بلوغ صيغة تمهد لصفقة آتية وبالتالي ليس من مصلحة إسرائيل معاكسة واشنطن بشأنها. وقد صدرت هذه المطالبات عن جهات يهودية معروفة بقربها وحرصها على مصلحة إسرائيل.
مقاطعة
وكأن موقفها أملاه إدراكها بأن الأمور تسير في اتجاه من شأنه أن يزيد من عزلة إسرائيل لو أصر على خطابه الذي قرر فريق من النواب والشيوخ مقاطعته إلى جانب نائب الرئيس الأميركي جو بايدن. مقاطعة تحصل لأول مرة بوجه رئيس حكومة إسرائيل.
بل أن بعض المقاطعين لم يتردد في توبيخ نتانياهو ووصف خطابه بأنه « حيلة رخيصة» حسب تعبير السناتور الديمقراطي باتريك ليهي الذي يتمتع بسمعة عالية في مجلس الشيوخ. نفور غير مألوف الأمر أربك وأحرج القوى اليهودية الأميركية التي انقسمت بين أقلية تدعم الخطاب وأكثرية تطالب بصرف النظر عنه. بل تضغط في هذا الاتجاه.
وكان سبق ذلك تراجع عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون، عن تأييد مشروع العقوبات الجديدة على إيران وإرجاء الخطوة إلى ما بعد أواخر مارس، الذي حددته الإدارة للتوصل إلى اتفاق إطار. الأمر الذي يشي بان هذا التراجع ربما جاء على أرضية تطمينات أعطتها الإدارة للكونغرس الأميركي عن احتمال التوافق على صفقة هذه المرة.
تقديرات
وبحسب تقديرات أميركية، ان طهران باتت أقرب إلى القبول بمعادلة ترى أنه حان أوانها، للتخلص من العقوبات من جهة، كما لتوفير موقع تسمح به الظروف الراهنة لتعزيز نفوذها في المنطقة من جهة ثانية.
صبّ في هذا المجرى ما صدر عن المرشد الأعلى علي خامنئي عن عدم ممانعته لاتفاق لا يضر بمصالح بلاده. ملاحظة تعامل معها المراقبون على أنها إشارة متعمّدة في إطار التمهيد للإعلان عن نهاية مقبولة للمفاوضات.
كما وضعت ملاحظات الوزير الإيراني محمد جواد ظريف خلال مؤتمر ميونيخ، في هذا المقام والذي جاء كدليل على سعي إيران لدفع المفاوضات إلى الأمام، التي ما زالت تقف في طريقها عقبات هامة مثل كيفية رفع العقوبات لو تمت الصفقة، بالتدريج أم مرة واحدة كما تطالب طهران. لكن على صعوبتها تبقى مسألة تقنية يمكن تجاوزها كما تمت على ما يبدو، معالجة موضوع أجهزة الطرد.
إذا صحّت هذه الإشارات وسارت الأمور في هذا الاتجاه يبقى السؤال: أي صفقة؟.
بمعزل عن التفاصيل التقنية، إيران ضمت وبموافقة واشنطن، الحفاظ على مشروعها النووي ولو تحت الضبط والربط. يبقى حجم دورها في المنطقة بنتيجة الصفقة. هذا الجانب يتحكم بالمفاوضات في مفصلها الراهن الحساس.
دعوة
دعت الناطقة باسم الخارجية الإيرانية مرضية أفخم أول من أمس الولايات المتحدة للتخلي عن ما وصفته بـ«المطالب المبالغ فيها حول البرنامج النووي الإيراني والعمل على معالجة قضاياها الداخلية لاتخاذ القرار النهائي وتوفير الأرضية للاتفاق الشامل».
