بعد كسبها ثقة البرلمان وأدائها اليمين وتسلّمها مهامها رسمياً، تدخل حكومة تونس الجديدة اعتباراً من غدٍ الاثنين مرحلة العمل الفعلي، من خلال إطلاع الوزراء ووزراء الدولة على الملفات التي تنتظر، وطبيعة المسؤوليات الملقاة على العواتق، والأطر التي سيعملون فيها، كما سيدرسون المختصرات التي أعدتها حكومة مهدي جمعة وسلمتها الحكومة الجديدة.
وينتظر أن يطلق رئيس الحكومة برنامجه العاجل لأول مئة يوم الذي يتضمن استكمال مقوّمات بسط الأمن والاستقرار والتفرّغ لخوض معركة التنمية وكسب الرهانات القائمة في سائر القطاعات، وتعزيز الإجراءات والتدابير والآليات الكفيلة بحفظ أمن البلاد والتعافي من كل أشكال الجريمة..
وهو الأمر الذي يستدعي تمكين الوحدات الأمنية والعسكرية من المعدات الملائمة لتدعيم قدراتها، وتعزيز فاعليتها وتأمين جاهزيتها المستمرّة. وستعمل الحكومة على تكثيف التعاون والتنسيق مع البلدان المجاورة لدعم تأمين المناطق الحدودية المشتركة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
تجاوز عراقيل
وفي وثيقة وزّعت على نواب البرلمان وحصلت «البيان» على نسخة منها، أكّد رئيس الحكومة الحبيب الصيد أنّ «من ضمن الأولويات المطروحة معالجة إشكالية تعطّل المشاريع، من خلال الإسراع بتجاوز العراقيل التي حالت دون إنجاز المشاريع المبرمجة»، فضلاً عن الحرص على الانطلاق الفوري في دفع الاستثمار الخاص عبر السعي لتوفير تمويل تفاضلي عن طريق البنوك..
لا سيّما بنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة وتنشيط الهياكل الوطنية والجهوية المعنية بالإحاطة بالمؤسسات. ومن المقرّر أن تبادر الحكومة باتخاذ التدابير الكفيلة بالتحكم في الأسعار وتنظيم السوق، من خلال تكثيف الرقابة ومكافحة التهريب، والعمل على ترشيد أسعار المواد الغذائية.
تحسين العيش
كما تضمّنت الوثيقة أنّه «من ضمن الأولويات العاجلة تحسين إطار العيش وظروف الحياة، والعمل على تنظيم حملة وطنية شاملة للنظافة والعناية بالبيئة، تسهم فيها الهياكل الإدارية والمهنية والمجتمع المدني، لرفع ما تراكم من نفايات، والتصدّي لكل المظاهر المخلّة بتوازن البيئة..
وردع مخالفي مقتضيات السلامة». ووعد الصيد بجرد الأراضي المحاذية للأحياء العشوائية ذات الكثافة السكانية العالية بالمدن، لاقتنائها وتخصيصها لإنجاز مقاسم ذات صبغة اجتماعية، بما يحد من تنامي ظاهرة العشوائيات، فضلاً عن السعي لمضاعفة جهد مقاومة التجارة الموازية، وتقليصها إلى أدنى حدّ ممكن، عبر تكثيف المراقبة في المراكز الحدودية والأسواق، وإحكام تطبيق الإجراءات القانونية.
استحقاقات عاجلة
ومن ضمن الاستحقاقات العاجلة المطروحة على الحكومة التونسية الجديدة، العمل على توفير مقوّمات نجاح الموسم السياحي، وتحفيز المهنيين في هذا القطاع على الانطلاق في عمليات صيانة، وتعهّد المنشآت الفندقية وسائر المؤسسات السياحية..
وتكثيف الجهود لتحسين الخدمات. وفي المجال الزراعي، تعهّد الحبيب الصيد بالعمل على معالجة إشكاليات القروض الفلاحية، لا سيّما لفائدة متوسطي وصغار الفلاحين. كما سيتم إعداد وثيقة توجيهية للخطّة التي ستغطي السنوات الخمس المقبلة، وعرضها على استشارة واسعة تمهيداً لتنفيذها.
إجراءات هيكلية
وبشأن الإجراءات الهيكلية العاجلة، فتتضمن مراجعة مشروع قانون الاستثمار، بهدف تحسين مناخ الأعمال، وحفز بعث المشاريع وإحداث المؤسسات، واعتماد كل السبل والمناهج والآليات المتاحة لتحقيق تنمية جهوية متوازنة، عبر المضي قدماً في دعم البنية الأساسية والمرافق الجماعية في المناطق الداخلية، وتحسين مناخ الأعمال..
والحفز إلى الاستثمار، وتعميق إصلاح منظومة الضرائب، بقصد توسيع القاعدة وتحسين الاستخلاص ومقاومة التهرّب الضريبي، والإسراع بإصلاح القطاع المالي، لا سيّما القطاع البنكي والسوق المالية، وترشيد الإنفاق، والنهوض بالمشاريع الكبرى، فضلاً عن إنقاذ المؤسّسات الوطنية التي تشكو صعوبات اقتصادية، وضمان ديمومتها، والحفاظ على مواطن الشغل فيها..
وترشيد منظومة الدعم. كما تتضمّن الرؤى إصلاح أنظمة التقاعد والتأمين في المنظومة الصحية، بما يؤمّن تأهيل المؤسّسات الاستشفائية، وتدعيم الصحة الأساسية، وتطوير شبكة المستشفيات في المناطق الداخلية، وسد النقص، وتحسين الخدمات الصحيّة.
ثقافة
وتتضمّن الإجراءات الهيكلية القيام بالإصلاحات الضرورية لقطاع الثقافة، والاستماع لآراء وتصوّرات أهل الثقافة في مختلف المجالات والتخصصّات، ودعم الإنتاج الثقافي، وعدالة توزيعه وتعزيز الاهتمام بالمبدعين في كل المجالات، ودعم صون التراث الوطني، والمحافظة عليه وتثمينه، والتعريف به على أوسع نطاق، وإحكام إدراجه في المسالك السياحية.
ترسيخ حوار
وتتبنّى الحكومة الجديدة ترسيخ تقاليد الحوار والتشاور مع مختلف الأطراف السياسية والاجتماعية ومكوّنات المجتمع المدني، وتدعيم آلياتها وتوسيع فضاءاتها، وتشكيل مجلس أعلى للحوار الاجتماعي، والعمل بالتشاور مع القوى الاجتماعية على اعتماد منهجية للمفاوضات الجماعية تفضي إلى اتفاق يمتد على سنتين أو ثلاث سنوات، بما يمكّن من الحفاظ على مناخ السلم الاجتماعي، والتفرغ للعمل والإنتاج، والزيادة في الثروة الوطنية.
اقتصاد معرفة
وتتجه الحكومة إلى اعتماد منوال تنموي جديد، يرتكز على اقتصاد المعرفة الذي أصبح من أبرز مصادر الثروة ودفع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير منظومة التربية والتكوين والتعليم العالي، وتحسين أدائها والارتقاء بها، بغرض ملاءمتها مع متطلّبات اقتصاد المعرفة..
ودعم وتطوير البحث العلمي في المجالات ذات المحتوى المعرفي والقيمة المضافة التكنولوجية العالية، على غرار تكنولوجيات الاتصال والمعلومات والإلكترونيات والصناعات الدوائية..
وتعزيز الأقطاب التكنولوجية المندمجة، ودعم صلتها وتفاعلها مع قطاعات الإنتاج ومؤسسات التكوين والتعليم العالي والبحث العلمي، فضلاً عن تكثيف نسيج المؤسسات والمشاريع المجددة، ودعم الإصلاحات والحوافز الكفيلة بدفع نسق الاستثمار في القطاعات الواعدة.
أولويات
من أولويات الحكومة التونسية في المرحلة المقبلة كذلك توسيع دائرة العلاقات والصداقات في محيطنا القريب والبعيد، وإيلاء الأهمية اللازمة للدبلوماسية الاقتصادية، واستعادة الدولة هيبتها وحيويتها، وتوفير الظروف الملائمة لقيام مؤسسات الدولة بوظائفها على الوجه الأكمل.
